ابن عربي

543

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

والحديثان الآخران يعطي الزمان الذي ينقسم ، فيرتفع الاشتراك . والقول هنا أقوى من الفعل ، لأن الفعل يعسر الوقوف على تحقيق الوقت به ، وهو قول الصاحب على ما أعطاه نظره . وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم يخالف ما قال الصاحب وحكم به على فعل صلاة جبريل عليه السلام بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فيكون كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مفسرا للفعل الذي فسره الراوي . والأخذ بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو الذي أمرنا اللّه أن نأخذ به ، فكان ينبغي في مسئلة آخر وقت الظهر وأول وقت العصر وأمثالها أن لا يتصور خلاف ، ولكن اللّه جعل هذا الخلاف رحمة لعباده واتساعا فيما كلفهم به من عبادته . وآخر وقت الظهر أن يكون ظل كل شيء مثله ، وهو أول وقت العصر . وآخر وقت العصر عندنا قبل أن تغرب الشمس بركعة . والمغرب وقته موسع وهو ما بين غروب الشمس إلى مغيب الشفق . وقد ورد في إمامة جبريل عليه السلام برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد في أول فرض الصلوات ، والمغرب وتر صلاة النهار كما أخبرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك قبل أن يزيدنا اللّه وتر صلاة الليل [ إن اللّه قد زادكم صلاة إلى صلاتكم ] وذكر صلاة الوتر [ فأوتروا يا أهل القرآن ] فشبهها بالفرائض وأمر بها . ولما سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعد إمامة جبريل عليه السلام به صلّى اللّه عليه وسلم عن وقت الصلاة ، صلى بالناس يومين ، صلى في اليوم الأول في أول الأوقات ، وصلى في اليوم الثاني في آخر الأوقات ، الصلوات الخمس كلها وفيها المغرب ، ثم قال للسائل [ الوقت ما بين هذين ] فجعل للمغرب وقتين كسائر الصلوات ، فوسع وقتها كسائر الصلوات ، وهو الذي ينبغي أن يعول عليه ، فإنه متأخر عن إمامة جبريل ، فوجب الأخذ به ، فإن الصحابة كانت تأخذ بالأحدث ، فالأحدث من فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وإن كان صلّى اللّه عليه وسلم كان يثابر على الصلاة في أول الأوقات فلا يدل ذلك على أن الصلاة ما لها وقتان ، وما بينهما ، فقد أبان عن ذلك وصرح به ، وما عليه صلّى اللّه عليه وسلم إلا البلاغ والبيان ، وقد فعل صلّى اللّه عليه وسلم . وأول وقت العشاء مغيب حمرة الشفق ، وآخر وقتها طلوع الفجر . واتفق الجميع على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر وآخره طلوع الشمس ، واختلفوا في الإسفار والتغليس بصلاة الصبح ، والتغليس بها أفضل عندنا . وقد كتب اللّه تعالى الصلاة على المؤمنين دون العالم لعموم الإيمان فإنه يشمل المقلد والعالم ، فلو كتبها اللّه على العلماء دون المؤمنين لما وجبت على المقلدين ، والعلماء لهم صفة الإيمان ، فكتب على الوصف العام .