ابن عربي

540

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الذي رزأه وحال بينه وبين الوصول إلى مهاجره ، فالدية عليه . فإن كان هذا الذي يموت عالما عاقلا فأعظم من لقاء اللّه ورؤيته فما يكون ، وقد حصل له ذلك بالموت ، فهو أفضل في حقه من أن يعيش حتى يصل ، فإنه لا يدري ما دام في الحياة الدنيا ما يتقلب عليه من الأحوال ، فإنّه في محل خطر سريع التبديل . وصح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في هذا الباب ما خرّجه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : [ إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لامرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله ، فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ] ثم يضاف إلى هذه الأجور قدر كرم المعطي وغناه ، وهذا يدخل تحت قوله صلّى اللّه عليه وسلم : [ إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ] يعني من المجزيين . وقد أكد اللّه تعالى هذا الأجر على غيره ممن له أجر على اللّه بالوقوع وهو الوجوب ، فإن الأجر قد يقتضيه الكرم من غير وجوب وقد يقتضيه الوجوب ، والذي يقتضيه الوجوب أعلى . والمهاجر من ترك ما أمر اللّه ورسوله بتركه وبالغ في ترك ذلك للّه خالصا من كل شبهة ، عن كرم نفس وطواعية لا عن كره وإكراه ولا رغبة في جزاء ، بل كرم نفس بمقاساة شدائد يلقاها من المنازعين له في ذلك ، ويسمعونه ما يكره من الكلام طبعا ، فيتغير عند سماعه ، ويكون ذلك كله عن اتساع في العلم ، والدءوب على مثل هذه الصفة ، وتقيده في ذلك كله بالوجوه المشروعة لا بأغراض نفسه ، ويكون به كمال مقامه . فإذا اجتمعت هذه الصفات في الرجل فهو مهاجر ، فإن فاته شيء من هذه الفصول والنعوت فاته من المقام بحسب ما فاته من الحال . وإنما قلنا هذا كله واشترطناه لما سماه اللّه مهاجرا ، واللّه بكل شيء عليم ، فكل ما يدخل تحت هذا اللفظ مما ينبغي أن يكون وصفا حسنا للعبد فيسمى به صاحب هجرة اشترطناه في المهاجر ، لانسحاب هذه الحقيقة اللفظية في نفس الوضع على ذلك المعنى الذي اشتق من لفظه هذا الاسم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 101 ] وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً ( 101 )