ابن عربي

538

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

ذكر في تمام الآية « وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً » كان حرف وجودي ، ويطلق من الوجه الذي لا يقبل به ظرفية الزمان على اللّه ، فيقال « وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً » . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 97 ] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ( 97 ) قال تعالى : « أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها » ولم يقل منها ولا إليها ، فهي أرض اللّه سواء سكنها من يعبده أو من يستكبر عن عبادته ، فإن مكة أشرف البقاع وإنها بيت اللّه الذي يحج إليه من مشارق الأرض ومغاربها ، ومع ذلك أمر وعظم الأجر لمن يهاجر منها من أجل ساكنيها ، فلما فتحها اللّه وأسكنها المؤمنين من عباده قال صلّى اللّه عليه وسلم : [ لا هجرة بعد الفتح ] ولما قال تعالى : « وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ » أي حكم ، فما عبد من عبد غير اللّه إلا لهذا الحكم ، فلم يعبد إلا اللّه وإن أخطئوا في النسبة ، إذ كان للّه في كل شيء وجه خاص ، به ثبت ذلك الشيء ، فما خرج أحد عن عبادة اللّه . ولما أراد اللّه أن يميّز بين من عبده على الاختصاص وبين من عبده في الأشياء ، أمر بالهجرة من الأماكن الأرضية التي يعبد اللّه فيها في الأعيان ، ليميز اللّه الخبيث من الطيب ، فالخبيث هو الذي عبد اللّه في الأغيار ، والطيب هو الذي عبد اللّه لا في الأغيار . فعليك بالهجرة ، ولا تقم بين أظهر الكفار ، فإن في ذلك إهانة دين الإسلام وإعلاء كلمة الكفر على كلمة اللّه ، فإن اللّه ما أمر بالقتال إلا لتكون كلمة اللّه هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى . وإياك والإقامة أو الدخول تحت ذمة كافر ما استطعت . واعلم أن المقيم بين أظهر الكفار مع تمكنه من الخروج من بين ظهرانيهم لا حظّ له في الإسلام ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد تبرأ منه ، ولا يتبرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من مسلم ، وقد ثبت عنه أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : [ أنا بريء من مسلم يقيم بين أظهر المشركين ] فما اعتبر له كلمة الإسلام . وقال اللّه تعالى فيمن مات وهو بين أظهر المشركين « إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ »