ابن عربي

515

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

أبخس ، العدل في الأحكام ، لا يكون محمودا إلا من الحكام ، والعدل هنا من الاعتدال ، لا من الميل ، فإن ذلك إفضال ، ورد في الخبر عن سيد البشر فيمن انقطع أحد شراك نعليه ، أن ينزع الأخرى ليقيم التساوي بين قدميه ، وقال فيمن خصّ أحد أولاده دون الباقين بما خصّه به من المال ، لا أشهد على جور لعدم المساواة والاعتدال ، فسماه جورا ، وإن كان خيرا ، ثم قال : ألست تحبّ أن يكونوا لك في البر على السواء ؟ فما لك تعدل عن محجة الاهتداء ، فاعدل بين أولادك ، بطرفك وتلادك . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 59 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 59 ) « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ » أي فيما أمركم به على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلم مما قال فيه صلّى اللّه عليه وسلم : إنّ اللّه يأمركم ، وهو كل أمر جاء في كتاب اللّه تعالى ، ثم قال : « وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ » فميّز وعيّن وفرّق ، ففصل أمر طاعة اللّه من طاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . فلو كان يعني بذلك ما بلّغ إلينا من أمر اللّه تعالى لم تكن ثمّ فائدة زائدة ، فلا بد أن يوليه رتبة الأمر والنهي فيأمر وينهى . فنحن مأمورون بطاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن اللّه بأمره . وقال تعالى : ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ) ، وطاعتنا له فيما أمر به صلّى اللّه عليه وسلم ، ونهى عنه مما لم يقل هو من عند اللّه ، فيكون قرآنا . قال اللّه عزّ وجل ( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) فأضاف النهي إليه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأتى بالألف واللام في الرسول يريد بهما التعريف والعهد ، أي الرسول الذي استخلفناه عنا ، فجعلنا له أن يأمر وينهى زائدا على تبليغ أمرنا ونهينا إلى عبادنا ، فإن الخليفة لا بد أن يظهر فيما استخلف عليه بصورة مستخلفه وإلا فليس بخليفة له فيهم ، فأعطاه الأمر والنهي وسماه بالخليفة ، وجعل البيعة له بالسمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر ، وأمر اللّه سبحانه عباده بالطاعة للّه ولرسوله والطاعة لأولي الأمر منهم ، فجمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بين الرسالة والخلافة . فما كلّ رسول خليفة ؛ فمن أمر ونهى وعاقب وعفا ، وأمر اللّه بطاعته ، وجمعت له هذه الصفات ، كان خليفة . ومن بلّغ أمر اللّه ونهيه