ابن عربي
474
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
فكان لك حيث تريد إذا اقتضت إرادتك مصلحتك ، وإن لم تقتض إرادتك مصلحتك فعل بحبه إياك معك ما تقتضيه المصلحة في حقك ، وإن كنت تكره في الحال فعله معك ، فإنك تحمد بعد ذلك عاقبة أمرك ، فإن اللّه غير متهم في مصالح عبده إذا أحبه ، فميزانك في حبه إياك أن تنظر إلى ما رزقك من الصبر على ما أخذه منك ورزأك فيه ، من مال أو أهل أو ما كان مما يعز عليك فراقه ، فما من شيء يزول عنك من المألوفات إلا ولك عوض منه عند اللّه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 147 إلى 148 ] وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 ) سمي جزاء الخير ثوابا لثورانه وعجلته ، فيكون في نفس الخير المستحق له ، لأنه من ثاب إلى الشيء إذا ثار إليه بالعجلة والسرعة . « وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » الإحسان صفة اللّه تعالى وهو المحسن ، فصفته أحب ، والإحسان الذي به يسمى العبد محسنا هو أن يعبد اللّه كأنه يراه ، أي يعبده على المشاهدة ، كما أن شهود الحق لكل شيء هو إحسانه ، فإنه بشهوده يحفظه من الهلاك . فكل حال ينتقل فيه العبد ، فهو من إحسان اللّه ، إذ هو الذي نقله تعالى ، ولهذا سمي الإنعام ، إحسانا ، فإنه لا ينعم عليك بالقصد إلا من يعلمك ، ومن كان علمه عين رؤيته ، فهو محسن على الدوام ، فإنه يراك على الدوام لأنه يعلمك دائما ، وليس الإحسان في الشرع إلا هذا ، وقد قال : فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، أي فإن لم تحسن فهو المحسن . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 149 إلى 150 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ( 149 ) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ( 150 ) « وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ » أهل دينه على من ناواهم فيه ابتغاء منازعته .