ابن عربي
465
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
لما كان أهل بدر قليلين والمشركون كثيرين ، أنزل اللّه الملائكة مددا لنصر المؤمنين على الأعداء في القتال يوم بدر ، فنزل الملائكة مقاتلين خاصة . وكونهم مسومين أي أصحاب علامات يعرفون بها أنهم من الملائكة ، فبوجود المدد الملكي والأثر الفلكي كانت النصرة ، ورجعت على الأعداء الكرة ، أقدم حيزوم ، لنصرة دين الحي القيوم ، ولما فيه من تقوية القلوب ، عند أهل الإيمان بالغيوب ، وما كان عند أهل الغيب إيمانا ، كان لأهل الشرك عيانا ، وذلك الشهود خذلهم ، فلم تقتلوهم ولكن اللّه قتلهم ، قتلهم بالملك ، للأمر الذي أوحاه في السماء وأودعه حركة الفلك ، فما انحجب عن المؤمن لإهانته ، كما أنه ما كشفه للمشرك لمكانته ، لكن ليثبت ارتياعه ، ويتحقق انصداعه واندفاعه ، فخذله اللّه بالكشف ، وهو من النصر الإلهي الصرف ، نصر به عباده المؤمنين على التعيين ، فإنه أوجب سبحانه على نفسه نصرتهم ، فرد عليهم لهم كرتهم ، فانهزموا أجمعين وكان حقّا علينا نصر المؤمنين ، والمؤمن الإله الحق ، وقد نصره الخلق . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 126 ] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) « وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ » فيحتمل لكونهم من الملائكة عامة ، أوهم الملائكة الذين قالوا في حق آدم ( أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) فأنزلهم اللّه في يوم بدر ، فسفكوا الدماء ، حيث عابوا آدم بسفك الدماء ، فلم يتخلفوا عن أمر اللّه ، فنصرونا على الأعداء بما عابوه علينا . « وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ » أي من عادة البشرية أن تسكن إلى الكثرة ، إذ كان أهل بدر ثلاثمائة والمشركون ألفا ، فلما رأوا الملائكة خمسة آلاف ، اطمأنت قلوب المؤمنين بكثرة العدد مع وجود القتال منهم ، فما اطمأنوا به برؤيتهم وحصل لهم من الأمان في قلوبهم حتى غشيهم النعاس ، إذ كان الخائف لا ينام . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 127 إلى 128 ] لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ( 127 ) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ( 128 )