ابن عربي

461

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

ثم شهد الحق في القرآن وعرّف بفضل هذه الأمة المحمدية على سائر الأمم فقال . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 110 ] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ( 110 ) إذا حملنا قوله تعالى « أُمَّةٍ » على أمة الدعوة لا أمة الإجابة ، كان المؤمن بإيمانه والكافر منهم بكفره هما خير من كل مؤمن من غير هذه الأمة وكافر ، أي مؤمن هذه الأمة خير من مؤمن غيرها من الأمم ، وكافر هذه الأمة خير من كافر غيرها من الأمم - الوجه الثاني - إذا حملت الأمة على أمة الإجابة كانت الأمة المحمدية المتأخرة المنعوتة بالخيرية على جميع الأمم السالفة مؤمنيهم وكافريهم ، فكافرهم شر من كافري الأمم ، ومؤمنهم خير من مؤمني الأمم ، فلهم التقدم ، كما ورد في الخبر في قريش [ إنهم المقدّمون على جميع القبائل في الخير والشر ] [ « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » ] « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » لظهور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بصورته فيها ، وكذلك القرن الذي ظهر فيهم خير القرون لظهوره فيه بنفسه ، وما كنا خير أمة أخرجت للناس ، إلا وكان نبينا صلّى اللّه عليه وسلم سيد ولد آدم من غير شك ولا التباس ، فهو بنا ونحن به ، وليس خيرا من كل أمة إلا نبيها ونحن خير الأمم ، فنحن والأنبياء في هذه الخيرية في سلك واحد منخرطين ، لأنه ما ثم مرتبة بين النبي وأمته ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم خير من أمته كما كان كل نبي خيرا من أمته ، فهو صلّى اللّه عليه وسلم خير الأنبياء ، قال صلّى اللّه عليه وسلم [ ليتمنين اثنا عشر نبيا أن يكونوا من أمتي ] تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه » وإن كانت كل أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ويؤمنون باللّه ، فقد خصّت هذه الأمة المحمدية بأمور لم يخص بها أمة من الأمم ، ولها أجور على ما خصصت به من الأعمال مما لم يستعمل فيها غيرهم من الأمم ، فتميزوا بذلك يوم القيامة ، وظهر فضلهم ، والفضل الزيادة ، وبالزيادة كانت خير أمة أخرجت للناس أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، عناية منه تعالى لحضوره صلّى اللّه عليه وسلم وظهوره فيها ، وإن كان العالم الإنساني والناري كله أمته ، فإنه المرسل إلى الناس كافة ، ولكن لهذه الأمة خصوص وصف ، فجعلهم تعالى خير أمة أخرجت للناس ؛ هذا الفضل أعطاه ظهوره صلّى اللّه عليه وسلم بنشأتيه ، فكان من فضل هذه الأمة على الأمم أن أنزلها صلّى اللّه عليه وسلم منزلة خلفائه الأنبياء في العالم قبل ظهوره ، إذ كان أعطاهم