ابن عربي
418
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 10 إلى 13 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ( 10 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 11 ) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 12 ) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 13 ) لعبرة أي تعجبا ، فإن في إسبال الستور الجهل بالأمور ، والأبصار تخترق الأستار ، لهذا شرع الاعتبار « إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ » والستر مسدل ، والباب مقفل ، والعطاء مسبل ، فما نفع الحجاب ، ولا منع باب ، بصر الاعتبار لا يقف له شيء من الاسكار ، وهو النظر في الأشياء بحكم الاعتبار ، وجعل اللّه العبرة للأبصار ، والاعتبار إنما هو للبصائر ، فذكر الأبصار لأنها الأسباب المؤدية إلى الباطن ما يعتبر فيه عين البصيرة ، فاعلم أن اللّه خاطب الإنسان بجملته ، وما خصّ ظاهره من باطنه ، ولا باطنه من ظاهره ، فتوفرت دواعي الناس أكثرهم إلى معرفة أحكام الشرع في ظواهرهم ، وغفلوا عن الأحكام المشروعة في بواطنهم ، إلا القليل ، فإنهم بحثوا في ذلك ظاهرا وباطنا ، فما من حكم قرروه شرعا في ظواهرهم إلا ورأوا أن ذلك الحكم له نسبة إلى بواطنهم ، أخذوا على ذلك جميع أحكام الشرع ، فعبدوا اللّه بما شرع لهم ظاهرا وباطنا ، ففازوا حين خسر الأكثرون ، ونبغت طائفة ضلّت وأضلّت ، فأخذت الأحكام الشرعية وصرفتها في بواطنهم ، وما تركت من حكم الشريعة في الظواهر شيئا ، تسمى الباطنية ، وهم في ذلك على مذاهب مختلفة ، وقد ذكر الإمام أبو حامد في كتابه المستظهر له في الرد عليهم شيئا من مذاهبهم ، وبيّن خطأهم فيها ، والسعادة إنما هي مع أهل الظاهر ، وهم في الطرف والنقيض من أهل الباطن ، والسعادة كل السعادة مع الطائفة التي جمعت بين الظاهر والباطن ، وهم العلماء باللّه وبأحكامه . فما من حكم من أحكام فرائض الشريعة وسننها واستحباباتها إلا وله في الباطن