ابن عربي

404

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

( كُنْ ) وجعله سترا على الاقتدار ، فكان الممكن عن الاقتدار الإلهي من حيث لا يعلم الممكن ، وسارع الممكن إلى التكوين فكان ، فظهر منه عند نفسه السمع والطاعة لمن قال له كن ، وأخفى عزّ وجل اقتداره وجاء بالقول بصيغة الأمر ليتصف الممكن بالسمع والطاعة ، فلا تزال عين الحق تنظر إليه بالرحمة وتراعي منه هذا الأصل ، مع أن القول لا حكم له في المعدوم ، ولا سيما فيمن ليس له اقتدار بالأصالة ، فأشبه صورة التكليف والفعل للّه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 285 ] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 ) « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ » منزلة الأنبياء فيما يأخذونه من الغيب بطريق الإيمان منزلة المؤمنين مع ما يأخذونه من الأنبياء ، فالأنبياء مؤمنون بما يلقي إليهم الروح ، فلا يأخذون التشريع إلا من الروح الذي ينزل به على قلوبهم ، وهو تنزيل خبري لا علمي ، فلا يتلقونه إلا بصفة الإيمان ، ولا يكشفونه إلا بنوره ، فهم صدّيقون للأرواح التي تنزل عليهم بذلك « وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ » ونحن أمرنا بالإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وبجميع الرسل والكتب ، وأخبر الحق عنا بذلك ، وخبره صدق ، فاستحال في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أن يؤمن المؤمن منهم ببعض ويكفر ببعض ، فهذه عناية إلهية حيث أخبر بعصمتنا من ذلك ، فهي بشرى لنا ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم لليهود : نحن أولى بموسى منكم ، فكنى بنحن عن نفسه وأمته ، فكنا أولى بموسى عليه السلام من اليهود ، لأنهم لم يؤمنوا بكل ما أتى به موسى ، ونحن آمنا به وبما أنزل عليه ، ولا يلزم الإيمان بالشيء العمل به إلا حتى يكون فيما أنزل العمل بما أنزل أو ببعض ما أنزل ، فالتصديق يعمّ ، فنحن آمنا بما أنزل من قبلنا من حيث ما أنزل على نبينا لا من حيث ما نقل إلينا « لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ » مع علمنا بأن اللّه فضل بعضهم على بعض رسلا وأنبياء ، ثم نهانا أن نفضل بين الأنبياء قياسا ونظرا ، فإن العبد