ابن عربي

399

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 278 إلى 280 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ( 279 ) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 280 ) هذه الآية حث على إنظار المعسر إلى ميسرة ، وإن وضعت عنه فهو أعظم لأجرك ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : من انظر معسرا أو وضع عنه أظله اللّه في ظله ، وإن اللّه يوم القيامة يتجاوز عمن يتجاوز عن عباده ، وقال : من سرّه أن ينجيه اللّه من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه ، فقال تعالى : « وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ » أي يؤخر إلى أن يجد ما يؤدي و أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 281 ] وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 281 ) « وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ » لا يصح أن يرجع إلى اللّه إلا من جهل أن اللّه معه على كل حال ، وما خاطب الحق بقوله : « تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ » إلا من غفل عن كون اللّه معه على كل حال ؛ كما قال : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) فالرجوع إلى اللّه في الحقيقة من حال أنت عليها لحال ما أنت عليها ، ولما كانت الأحوال كلها بيد اللّه أضيف الرجوع إلى اللّه على هذا الوجه ، أي بالبناء للمجهول « ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » الأعمال مكاسب ، ولهذا أقيم الكسب مقام العمل ، والعمل مقام الكسب ، فجاء في آية ( وتوفى كل نفس ما عملت ) وفي آية ( ما كَسَبَتْ ) فسمي العمل كسبا ، وناب كل واحد منهما مناب صاحبه .