ابن عربي
393
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
المعصية ، فيعتقد أنها معصية ولا يبيح ما حرم اللّه ، وذلك من بركة ذلك الستر ، ثم ثمّ مغفرة أخرى وهو ستر خلف سترين ، ستر عليه في الدنيا ، لم يمض فيه حد اللّه المشروع في تلك المعصية ، وإن ستر عليه في الآخرة لم يعاقبه عليها ، فالستر الأول محقق في الوقت ، والثاني لطائفة لا تضرهم الذنوب التي وقعت منهم ، فلا تمسهم النار بما تاب اللّه عليهم ، واستغفار الملأ الأعلى لهم ، فقال تعالى : « وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ » لما وقع منكم من الفحشاء التي أمركم بها الشيطان « وَفَضْلًا » فجعل فضله في مقابلة ما وعد به الشيطان من الفقر الذي هو به مأمور في قوله تعالى : ( وعدهم ) فأراح اللّه المؤمن حيث ناب عنه الحق سبحانه في مدافعة ما أراد الشيطان إمضاءه في المؤمن ، فدفع اللّه عن عبده المؤمن وعدا إلهيا دفع به وعدا شيطانيا ، واللّه لا يقاوم ولا يغالب ، فالمغفرة متحققة والفضل متحقق ، وباء الشيطان بالخسران المبين ، ولهذه الحقيقة أمرنا اللّه أن نتخذه وكيلا في أمورنا ، فيكون الحق هو الذي يتولى بنفسه دفع مضار هذه الأمور عن المؤمنين ، وما غرض الشيطان المعصية لعينها ، وإنما غرضه أن يعتاد العبد طاعة الشيطان ، فيستدرجه حتى يأمره بالشرك الذي فيه شقاوة الأبد ، وهذه الآية أعظم آية وأشدها مرت على سمع إبليس ، فإنه علم أنه لا ينفعه إغواؤه ، ولهذا لا يحرص إلا على الشرك خاصة ، لكونه سمع الحق يقول : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) * وتخيل أن العقوبة على الشرك لا ينتهي أمدها ، واللّه ما قال ذلك ، فلا بد من عقوبة المشرك ومن سكناه جهنم ، فإنه ليس بخارج من النار ، فهو مؤبد السكن ، ولم يتعرض لانتهاء مدة العذاب فيها بالشقاء ، وليس الخوف إلا من ذلك لا من كونها دار إقامة لمن يعمرها ، فصدق اللّه بكون المشرك مأخوذا بشركه ، فهو بمنزلة إقامة الحد على من تعين عليه ، سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة ، فهي حدود إلهية يقيمها الحق على عبده إذا لم يغفر له أسبابها ، وجهل إبليس انتهاء مدة عقوبة المشرك من أجل شركه ، لذلك قال تعالى : « وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » فإن الأمر بالفحشاء من الفحشاء ، فدخل إبليس تحت وعد الحق بالمغفرة فزاده طمعا وإن كانت دار النار مسكنه ، ولا يعظم الفضل الإلهي إلا في المسرفين والمجرمين ، وأما المحسنين فما على المحسنين من سبيل ، فإن الفضل الإلهي جاءهم ابتداء ، وبه كانوا محسنين ، وما بقي الفضل الإلهي إلا في غير المحسنين .