ابن عربي
388
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ تنزيه الأنبياء ] يجب تنزيه الأنبياء مما نسب إليهم المفسرون من الطامات مما لم يجئ في كتاب اللّه ، وهم يزعمون أنهم قد فسروا كلام اللّه فيما أخبر به عنهم ، نسأل اللّه العصمة في القول والعمل ، فلقد جاءوا في ذلك بأكبر الكبائر ، وكل ذلك نقل عن اليهود واستحلوا أعراض الأنبياء والملائكة بما ذكرته اليهود ، الذين جرحهم اللّه وملئوا كتبهم في تفسير القرآن العزيز بذلك ، وما في ذلك نص في كتاب ولا سنة ، فاللّه يعصمنا وإياكم من غلطات الأفكار والأقوال والأفعال ، آمين بعزته وقوته ، مثال ذلك في تفسير هذه الآية ما نسبوا إلى إبراهيم الخليل عليه السلام من الشك ، وما نظروا في قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : نحن أولى بالشك من إبراهيم ، فإن إبراهيم عليه السلام ما شك في إحياء الموتى ، ولكن لما علم أن لإحياء الموتى وجوها متعددة مختلفة ، لم يدر بأي وجه منها يكون يحيي اللّه به الموتى ، وهو مجبول على طلب العلم ، فكان طلب رؤية الإحياء مع ثبوت الإيمان ليجمع بين العلم والعيان فعيّن اللّه له وجها من تلك الوجوه حتى سكن إليه قلبه ، فعلم كيف يحيي اللّه الموتى ، وكذلك قصة يوسف ولوط وموسى وداود ومحمد عليهم السلام ، وكذلك ما نسبوه في قصة سليمان إلى الملكين يقول تعالى : « وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » فطلب إبراهيم عليه السلام كيفية إحياء الموتى لاختلاف الوجوه في ذلك لا إنكار إحياء الموتى « قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى » يقول بلى آمنت ولكن وجوه الإحياء كثيرة كما كان وجود الخلق ، فمن الخلق ما أوجدته عن كن ، ومنهم من أوجدته بيدك ، ومنهم من أوجدته بيديك ، ومنهم من أوجدته ابتداء ، ومنهم من أوجدته عن خلق آخر ، فتنوع وجود الخلق ، وإحياء الخلق بعد الموت إنما هو وجود آخر في الآخرة ، فقد يتنوع وقد يتوحد ، فطلب العلم بكيفية الأمر هل هو متنوع أو واحد ؟ فإن كان واحدا ، فأي واحد من هذه الأنواع ، لذلك قال : « وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي » أي يسكن ، فإذا أعلمتني به اطمأن قلبي وسكن بحصول ذلك الوجه ، والزيادة من العلم مما أمرت به ، والطمأنينة بدء السكينة التي هي مطالعة الأمر بطريق الإحاطة من كل وجه ، فإن وجوه الإحياء كانت تجاذبه من كل ناحية ، والسكون صفة مطلوبة للأكابر ، لذلك قال إبراهيم عليه السلام : « بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي » أي يسكن إلى الوجه الذي يحيي به الموتى ويتعين لي إذ الوجوه لذلك كثيرة ومعلوم أن اليقين كان عنده ، والطمأنينة كانت المطلوبة ، التي تعطيها العين ، فإن السكون أمر زائد على اليقين ، فجاز أن يطلب ،