ابن عربي
386
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
أخفى في نفس الأمر وأبعد ، وهو أوضح عند الحاضرين ، فقال : « فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ » وهو أمر إمكاني فابتلى اللّه نمروذ لما ادعى ما ليس له من الألوهية بهذا الأمر الإمكاني ، فاختبره « فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ » والباهت مقطوع الحجة دارس المحجة ، فقامت الحجة عليه وافتضح كذبه في المسألة الأولى ، وهو قوله يحيي ويميت ، فإن البهت عجز ، ومن عجز فقد وقف على حقيقته ، وهو بالبهت ليس بكافر لأنه علم الحق ، ولولا شروق الشمس ما كان الشرق مشرقا ، فلو أتى بها ، أي لو شرقت من المغرب لكان مشرقا ، فما شرقت إلا من المشرق ، فبهت الكافر وهو موضع البهت ، لأنه علم أنه حيث كان الشروق لها اتبعه اسم المشرق ، فليس للمغرب سبيل في نفس الأمر ، فما بهت الكافر إلا من عجزه كيف يوصل إلى أفهام الحاضرين - مع قصورهم - موضع العلم فيما جاء به إبراهيم الخليل عليه السلام ، فأظلم عليه الأمر وتخبط في نفسه ، فبهت الذي كفر في أمر إبراهيم ، كيف عدل إلى ما هو أخفى في نفس الأمر وأبعد لإقامة الحجة ، وقامت له الحجة عليه عند قومه ، فكان بهته في هذا الأمر المعجز الذي أعمى بصائر الحاضرين عن معرفة عدوله من الأوضح إلى الأخفى ، فحصل من تعجبه وبهته في نفوس الحاضرين عجزه ، وهو كان المراد ، فظهرت حجة إبراهيم الخليل عليه السلام على نمروذ أمام الحاضرين ، ولم يقدر نمروذ على إزالة ذلك مع ما حصل في قلوب العارفين الحاضرين من ذلك ، فعلم صدقه ، وإنما نسب الكفر إليه بالمسألة الأولى ، فإنه علم ما أراده الخليل بقوله : « رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ » فستره فسمي كافرا ، فلما ارتفع الستر كان تجلي الأمر على ما هو عليه فأعطي العلم ، فبهت الذي ستر عنه الأمر قبل تجليه ، فآمن به في نفسه ولا بد ، وإن لم يتلفظ به ، وكيف يتلفظ به وقد غاب عن الإحساس بعين ما هو به محس ، ولكن اللّه ما هداه ، أي ما وفقه للإيمان « وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ » أي لا يبين لهم في حال سترهم وحجابهم ، فإن الإبانة بالعلم ترفع ستور الجهل بذلك المعلوم ، والإعجاز من اللّه كون النمروذ بهت فيما له فيه ، مقال وإن كان فاسدا ، لأنه لو قاله قيل له فقد كانت الشمس طالعة من المشرق وأنت لم تكن ، وأكذبه من تقدمه بالسن على البديهة ، أما المقال الفاسد فقد كان يقول ما نفعل الأمر بحكمك ولا نبطل الحكمة لأجلك ، فكان بهت النمروذ إعجازا من اللّه سبحانه حتى علم الحاضرون أن إبراهيم عليه السلام على الحق ، ولم يكن لنمروذ أن يدعي الألوهية .