ابن عربي
379
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 254 إلى 255 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 255 ) ورد أن آية الكرسي سيدة آي القرآن ، فقد ثبت في الأخبار تفاضل سور القرآن وآية بعضه على بعض في حق القارئ بالنسبة لما لنا فيه من الأجر ، فكانت آية الكرسي سيدة آي القرآن ، لأنه ليس في القرآن آية يذكر اللّه فيها بين مضمر وظاهر في ستة عشر موضعا منها إلا آية الكرسي ، ولما كانت الآيات العلامات ، ولا شيء أدل على الشيء من نفسه ، وآية الكرسي كلها أسماؤه وصفاته ، لا يوجد ذلك في غيرها من الآيات ، فدل على نفسه بنفسه ، [ توحيد ألوهية ] فقال : « اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » فنفى وأثبت بضمير غائب على اسم حاضر له مسمى غيب ، وما نفى الحق إلا الألوهة أن تكون نعتا لأكثر من واحد « الْحَيُّ » صفة شرطية في وجود ما له من الأسماء ، فإنه لما لم يتمكن أن يتقدم الاسم الحي الإلهي اسم من الأسماء الإلهية ، كانت له رتبة السبق ، فهو المنعوت على الحقيقة بالأول ، فكل حي من العالم - وما في العالم إلا حي - فهو فرع عن هذا الأصل ، فالحي اسم ذاتي للحق سبحانه ، لم يتمكن أن يصدر عنه إلا حي ، فالعالم كله حي ، إذ عدم الحياة ووجود موجود من العالم غير حي لم يكن له مستند إلهي في وجوده البتة ، ولا بد لكل حادث من مستند « الْقَيُّومُ » على كل ما سواه بما كسب ، فإنه أعطى كل شيء خلقه ، ولما كانت القيومية من لوازم الحي استصحبها في الذكر مع الحي ، قال عزّ وجل : ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) فكانت القيومية من نعوت الحي ، واستصحبته فلا تذكر إلا معه ، فالاسم القيوم أخو الاسم الحي