ابن عربي
373
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الشيء المعلوم ، وهم على الحقيقة الرسل والأولياء « وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ » ولبطلت السنة والفرض . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 252 إلى 253 ] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 252 ) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ( 253 ) الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر رسول ، منهم الفاضل والأفضل ، وإن سبح الكل في فلك الرسالة ، لأن كل صنف أشخاصه يفضل بعضهم بعضا ، ولا تفاضل إلا بالعلم ، فهؤلاء
--> يقول : ولما برزوا أي ظهروا إلى عدوهم ، دعوا اللّه أن يصب عليهم الصبر والثبات في الحرب ، والنصر على الأعداء ، وكيف يسألون النصر وهم قد علموا وقوع النصر لهم على أعدائهم بكون التابوت معهم ؟ فالجواب من وجهين : الوجه الواحد ، الأدب مع الحق والاعتماد عليه لا على الأسباب ، وما هم على يقين أن التابوت يكون معه النصر كما كان لمن تقدم ، لتغير الأحوال ، ومجيئه إنما كان آية على ملك طالوت لا على نصره على عدوهم ، وما يقتضيه أيضا جبلة الإنسان من الجبن ، فاستعان بالدعاء للهلع الذي قام به ، قال تعالى : ( إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ) ، والوجه الآخر ، منقول عن السكينة ، فإنهم قالوا إنها كانت آية لها رأس كرأس الهر ، فإذا صاحت علموا أنهم قد نصروا ، وإذا سكتت علموا أنهم لا ينصرون ، وهم لا يدرون هل تصيح فينصرون أم لا ؟ فاستعانوا بالدعاء للّه والتضرع في النصر على أعدائهم ، فأجاب اللّه دعاءهم ، فأخبر تعالى وقال : ( 252 ) « فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ » كما قال أولا بإذن اللّه ، تصديقا لهم حيث قالوا : ( غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ) « وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ » يريد داود النبي صلّى اللّه عليه وسلم وجالوت هو الملك « وَآتاهُ اللَّهُ » يعني داود « الْمُلْكَ » الذي كان لطالوت « وَالْحِكْمَةَ » الزبور الذي أنزل عليه « وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ » ما أراده من العلوم التي فيها سعادته وشرفه « وَلَوْ لا