ابن عربي
354
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الحياة الدنيا زمان الصلح واستدراك الفائت والجبر بمن قام بمصالح الأمور المرضية عند اللّه تعالى المسماة خيرا الموافقة لما نزلت به الشرائع ، فهو حليم لا يعجل لعدم المؤاخذة مع الاقتدار ، فإمهاله العبد المستحق للأخذ إلى زمان الأخذ ، حبس عن إرسال الأخذ في زمان الاستحقاق ، فكل عبد استحق العقاب على مخالفته لما جاء الرسول إليه به فقد أمهله
--> يقول : والذين يموتون منكم ، خطابا للرجال ، ويتركون أزواجا في عصمة نكاحهم ، وهي المرأة الحرة التي عقد عليها ودخل ، ثم مات عنها وهي في نكاحه ، فأمرها اللّه أن تحبس نفسها عن النكاح وعن الزينة ، وهي الإحداد أربعة أشهر وعشرة أيام ، فقال تعالى : « وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ » يقول : إذا انقضت عدتهن التي ذكرناها « فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ » يخاطب الحكام والمسلمين ، أي لا حرج فيما فعلن في أنفسهن من نكاح أو زينة « بِالْمَعْرُوفِ » على الحد المشروع ، وفي هذه الآية أيضا دليل على إنكاحها نفسها ، لأنه أضاف الفعل إليها ، ولم يقل فيما أمرن أن يفعلن في أنفسهن ، فيكون الخطاب للأولياء « وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » من جميع أعمالكم ، تنبيه من اللّه أن لا يتصرفوا ولا يعملوا إلا على حد ما شرع لهم سبحانه ، وقوله : « وَعَشْراً » يريد الليالي ، فحذف الهاء وكانت الأيام تبعا ، فإن الليل في حساب العرب مقدم على النهار ( 236 ) « وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ » يقول : ولا حرج عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء من غير تصريح بلفظ يدل على النكاح ، لا صريحا ولا كناية للمرأة التي في العدة ، ولكن يقول لها كلاما يفهم بقرينة الحال - لا من نفس ما تكلم به دون القرينة - أنه يريد نكاحها ، فتمسك نفسها عليه إن وقع لها في ذلك غرض ، وكذا فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ذكر لأم سلمة وهي في عدتها مكانته من اللّه عزّ وجل وما شرفه اللّه على سائر خلقه ، فكان ذلك خطبة ، فلما انقضت عدتها تزوج بها ، وقوله : « أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ » يريد بذلك ما سترتم في نفوسكم من إرادتكم بذلك التعريض نكاح المرأة ، وحدثتم به أنفسكم ، لا إثم عليكم في ذلك « عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ » يقول : إن الإنسان من جبلته أنه لا يخلو ولا ينفك أن يحدث نفسه في نفسه بما يشتهي ويريد فعله قبل أن يفعله ، فرفع اللّه عن عباده الإثم في ذلك ، ثم حذف ( فاذكروهن ) لدلالة الكلام عليه ، وجاء بحرف الاستدراك الدال على المحذوف ، فقال : « وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا » أي لا تذكروا لهن في التعريض لفظة جماع ولا نكاح ، ولا تكنوا عن ذلك وقد يحتمل أن يريد بالسر هنا ضد العلانية ، لأن التستر بالكلام في مثل هذا يدل على أنه ربما يقول ما يفحش سماعه ، ولذلك استثنى استثناء متصلا فقال : « إِلَّا أَنْ تَقُولُوا »