ابن عربي
332
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 222 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً » فيتأذى الرجل بالنكاح في دم الحيض ، وأما الاستحاضة فلا تمنع من الصلاة ولا من الوطء فالرجل لا يتأذى بالنكاح في دم الاستحاضة وإن كان عن مرض ، ودم النفاس حكمه حكم دم الحيض ، وكلاهما له زمان ومدة في الشرع ، ودم الاستحاضة ما له مدة يوقف عندها ، والحيض يمنع من الصلاة والصيام والوطء والطواف « فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ » ولا يجتنب من الحائض إلا موضع الدم خاصة « وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ » بسكون الطاء وضم الهاء مخففا ، وقرئ بفتح الطاء والهاء مشددا ، ولذلك قال بجواز وطء الحائض قبل الاغتسال وبعد الطهر المحقق على قراءة من خفف ، ومن قائل بعدم جوازه على قراءة من شدد وهو محتمل ، وبالأول أقول ، ومن أتى امرأته وهي حائض فهو عاص ولا كفارة عليه « فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ » إن اللّه يحب التوابين ، التوبة المشروعة هي التوبة من المخالفات ، والتوبة الحقيقية هي التبري من الحول والقوة بحول اللّه وقوته ، فليست التوبة
--> ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) فيلحق بالنكاح الفاسد الذي لا ينعقد معه النكاح ، فإن اللّه قد أحبط عمله في الدنيا بقوله : ( وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ) * وقال فيمن يموت وهو كافر : ( حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) * وقال : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) كسائر العبادات من الصوم والصلاة ، لم يكن ذلك عملا مشروعا لعدم المصحح وهو الإيمان ، والنكاح من جملة العبادات المشروعة ، والمشرك هو الذي يجعل مع اللّه إلها آخر سواء كان من أهل الكتاب أو من غير أهل الكتاب ، وإذا كان أهل الكتاب هم الذين أنزل إليهم الكتاب وجاءهم الرسول بذلك وكانوا كافرين بكتابهم وأمرنا اللّه بقتالهم حتى يعطوا الجزية ، فيجوز لنا نكاح بناتهم بقوله : ( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) ونمنع من ذلك بقوله : ( وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ) على من يحمل النهي هنا على التحريم ، وقوله : ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) على أظهر