ابن عربي
328
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
شرب النبيذ ما لم يسكر ، فإن سكر حددته لكونه سكرانا من النبيذ ، فالحنفي مأجور ما عليه إثم في شربه النبيذ وفي ضرب الحاكم له ، وما هو في حقه إقامة حد عليه ، وإنما هو أمر ابتلاه اللّه به على يد هذا الحاكم الذي هو الشافعي ، كالذي غصب ماله غير أن الحاكم هنا أيضا غير مأثوم لأنه فعل ما أوجبه عليه دليله أن يفعله ، فكلاهما غير مأثوم عند اللّه - راجع المائدة آية ( 90 ) - .
--> والتسابب إذا فحش أدّى إلى ذكر محرمات كبائر ، وأدّى إلى المؤاخذة بالأيدي من الضرب والجراحة ، فكان الإثم أكبر من المنفعة بلا شك ، والميسر قد يكون مأخوذا من اليسر واليسار ، فإن كان من اليسر فهو من يسر ، يقال : يسرته إذا قامرته ، وهو أخذ مال من قامرته بيسر من غير تعب ، ومن جعله من اليسار ، قال : يكثر يساره بما يأخذه ممن يقامره ، وكذلك اسم الخمر من خمرت الشيء إذا غطيته ، والخمر تغطي عن شاربها عقله ، يقال نزلت هذه الآية في عبد اللّه ابن عبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ونفر من الأنصار ، وذلك أن الرجل كان يقول في الجاهلية : أين أصحاب الجزور ؟ فيقوم نفر فيشترون الجزور بثمن معلوم ، فيجعلون لكل رجل منهم سهما ، ثم يقترعون ، فمن خرج سهمه تبرأ من الثمن ، حتى يبقى آخرهم رجلا فيكون ثمن الجزور كله عليه وحده ، ولا يكون له نصيب في الجزور ، ويقتسم الجزور بقيتهم بينهم ، وهذا نوع من أنواع القمار ، وهذا كانت تسميه العرب الميسر ، والأزلام قداحه واحده زلمة ، وسيأتي تفسيره إن شاء اللّه في المائدة « وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ » العفو من الأضداد ، ينطلق على القليل والكثير ، وكالقرء ينطلق على الطهر والحيض ، والجون على الأبيض والأسود ، فإذا كان مما ينطلق على الشيء وضده فنجمع بينهما بأمر ونقول : الإنفاق من فضل المال قل ذلك الفضل أو كثر فهو العفو ، فيكون رحمة بالمنفق والمنفق عليه ، فكان السؤال هنا عن قدر ما ينفق ، والسؤال في الأول من أي شيء ينفق ، واختلف السؤالان في المعنى بالجواب لا بنفس السؤال ، وفهمهما المسؤول بقرائن الأحوال ، ولهذا كان علم الصحابة بالأحكام أتم من علم التابعين وغيرهم ، لمشاهدة القرآن عند نزول الحكم من اللّه ، فيفهمون منه ما لا نفهم فيعملون بمقتضى ذلك ، ونحن نعمل بمقتضى التأويل بحسب ما يعطيه الكلام معرى عن القرينة ، إلا أن تنقل القرينة كما نقل الحكم ، ووجه آخر عندي فيه ، وهو أن يكون من العافية ، كما قال عليه السلام في الدعاء : [ اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ] أي تجاوز ، وذلك أن النبي عليه السلام كان يكره لأصحابه أن يسألوه لئلا يفترض عليهم ما يعجزون عن القيام به ، وقال تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ) وقال عليه السلام : [ إنما أهلك من كان قبلكم