ابن عربي
316
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
بعضهم « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي » إشارة إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : ( خلق اللّه آدم على صورته ) وقوله صلّى اللّه عليه وسلم عن أولياء اللّه : ( إذا رأوا ذكر اللّه ) . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 211 ] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 211 ) « وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ » وهي ما بشّرنا به من عموم مغفرته « مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ » فمن هنا وإن كانت شرطا ففيها رائحة الاستفهام ، وقال في الجواب : « أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » ولم يقل فإن اللّه يعاقب من بدل نعمة اللّه ، فهو كما قال شديد العقاب في حال العقوبة ، فما ثم من يقدر يبدل نعمة اللّه من بعد ما جاءته ، فيبدل نعمة اللّه بما هو خير منها بحسب الوقت ، فإن الحكم له ، قال تعالى : ( لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ) وهي أعيان العالم ، وإنما التبديل للّه لا لهم ، فقوله فيمن بدل نعمة اللّه من بعد ما جاءته إنه شديد العقاب ، أي يسرع تعالى إلى من هذه صفته بالعقاب ، وهو أن يعقبه فيما بدله أن التبديل للّه عزّ وجل ليس له ، فيعرفه أنه بيده ملكوت كل شيء ، فإن اللّه ما قرن بهذا العقاب ألما ، ومتى لم يقرن الألم بعذاب أو عقاب فله محمل في عين الأمر المؤلم ، فإنه لا يخاف إلا من الألم ، ولا يرغب إلا في الالتذاذ خاصة ، هذا يقتضيه الطبع الذي وجد عليه من يقبل الألم واللذة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 212 ] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 ) عليه .
--> استفهام ، وهو استفهام تقرير ، يقول : سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آيات النعم ، وقد ذكرناها فيما تقدم ، من تظليل الغمام وإهلاك عدوهم وغير ذلك ، فإذا أخبروك بما أنعمت عليهم ، وأقروا عندك بذلك واعترفوا فقل لهم : « وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ » أي من حق نعمة اللّه الشكر عليها ، فمن بدله بكفرها « فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » على ذلك ، ووجه آخر « كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ » على صدقك في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم ، وهي نعمة مني عليهم ، حيث