ابن عربي

296

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

فلم نصل إلى معرفة حقيقتها ولا يمكن الوصول إلى ذلك ، والزائد على الربع الذي جهلناه أيضا هو جهلنا بنسبة ما نسبناه إليها من الأحكام ، فإنا وإن كنا نعرف النسبة من كونها نسبة ، فقد نجهل النسبة الخاصة لجهلنا بالمنسوب إليه ، فالذي بأيدينا من المعرفة علمنا بوجود الذات وعلمنا نسبة الألوهة لها ، لا كيفية النسبة ، وهو نصف المعرفة ، وهو علم بصفات التنزيه والسلوب ، والربع الثالث المعرفة بصفات الأفعال والنسب ، أما الربع الرابع فلا يعرف أبدا ، وكذلك ما جهلنا من نسبة ما وصف الحق به نفسه من صفة التشبيه ، فلا ندري كيف ننسب إليه ، مع إيماننا به ، وإثباتنا له هذا الحكم مع جهلنا ، لكن على ما يعلمه اللّه من ذلك - أما قوله تعالى « فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ » فالمزدلفة من الزلفى وهو القرب ، فالوقوف في المزدلفة هو مقام القربة ، والاجتماع بالمعروف فيها ، وهو تجل خاص منه لقلوب عباده ، ولهذا سميت جمعا ، « وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ » والذكر في طريق اللّه لا يختص بالقول فقط ، بل تصرف العبد إذا رزق التوفيق في جميع حركاته ، لا يتحرك إلا في طاعة اللّه تعالى ، من واجب أو مندوب إليه ، ويسمى ذلك ذكر اللّه ، أي لذكره في ذلك الفعل أنه للّه بطريق القربة سمي ذكرا ، فجميع الطاعات كلها من فعل وترك إذا فعلت أو تركت لأجل اللّه فذلك من ذكر اللّه ، أن اللّه ذكر فيها ، ومن أجله فعلت أو تركت على حكم ما شرع فيها ، وهذا هو ذكر الموفقين من العلماء باللّه .

--> أن يكون علما له مسمى باسم الجمع ، أو يكون اسم جمع كمسلمات ، واحده عرفة ، يقول : « فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ » وهو المزدلفة وهو جمع ، وهو من مناسك الحج ، واختلفوا فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام فيه ، هل فاته الحج أو لم يفته ؟ فمن جعل ذلك ركنا ، قال بفوات الحج إذا فاته ، ومن لم يجعله ركنا كان حكمه حكم ما ليس بركن ، وقوله : « عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ » جعله ظرفا للذكر فيها « وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ » هذا الذكر الآخر لا يختصّ بهذا الموضع ولا بهذه العبادة ، بل يعمّ ذكره جميع الأحوال ، وقوله : « كَما هَداكُمْ » يقول : مثل ما ذكرتم عند هدايته إياكم من الضلال الذي كنتم عليه ، فمعناه كما أنه اعتنى بكم سبحانه بما بينه لكم من الطريق التي تؤدي إلى سعادتكم وكنتم بها جاهلين ، قال تعالى : ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) فاذكروه أنتم شكرا على هذه النعمة ، بقبولكم ما هداكم له ومشيكم عليه واتباعكم سبيله تعظيما له ، فإنه من أهدى إليك هدية عناية منه بك ، فقبولك إياها دون ردها ، فيه تعظيم لجناب المهدي ، وشكرك له على ذلك ثناء على ثناء ، وذكر على ذكر ، ولهذا كرره في هذا الموضع ملصقا