ابن عربي
288
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
إن صامها في أهله أجزأته « تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ » النصوص عزيزة وهو النص الصريح في الحكم والأمر الجلي ، فإن المتواتر وإن أفاد العلم فإن العلم المستفاد من التواتر إنما هو عين هذا اللفظ ، أو العلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قاله أو عمله ، ومطلوبنا بالعلم ما يفهم من ذلك القول والعمل حتى يحكم في المسألة على القطع ، وهذا لا يوصل إليه إلا بالنص الصريح المتواتر ، وهذا لا يوجد إلا نادرا ، مثل قوله تعالى : « تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ » في كونها عشرة خاصة ، فإن المنصوص والمحكم لا إشكال فيه ولا تأويل ، والألفاظ الظاهرة تحتمل معاني متعددة ما يعرف الناظر قصد المتكلم بها منها ، « ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » يريد بذلك إجازة الصوم في أيام التشريق من أجل رجوعه إلى بلده ، لا أن المكي ليس بمتمتع ، واتفق على أنه ليس على المكي دم ، والآية محتملة ، وحاضري المسجد الحرام هم ساكنوا
--> من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشيء ، والحديبية موضع خارج عن الحرم فإن لم يكن معه هدي فيجب عليه أن يشتري هديا لقوله تعالى : « فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ » فإن تمكن له إرسال الهدي إلى الحرم لينحر هنالك ، فإن شاء أرسله وهو الأولى ، لحديث ناجية بن جندب الأسلمي : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعث معه الهدي حين صد حتى نحره في الحرم ، أخرجه النسائي ، وهل يقدر له فلا يحل حتى ينحر ؟ ليس عندنا نص في ذلك ، فإن أقام على إحرامه حتى يصل الهدي إلى الحرم فبقوله تعالى : « وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ » وإن لم يقم فبحديث مالك الذي ذكرناه آنفا ، وإن لم يتمكن له إرسال الهدي نحره حيث صد وأحل بحديث مالك ، ولا قضاء عليه فيما صد عنه وأحصر ، ولا في هديه ، في هذا الحديث ، فإن ترجح عنده حديث الحجاج بن عمرو : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : [ من عرج أو كسر - زاد أبو داود - أو مرض فقد حل وعليه حجة أخرى ] وقال أبو داود في حديثه عليه الحج من قابل ، وفيه عن ابن عباس وأبي هريرة ، خرج هذا الحديث النسائي ، فإن أضاف إلى قضاء ما حصر عنه قضاء الهدي فبحديث أبي داود عن ابن عباس : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمر أصحابه أن يبذلوا الهدي الذي ذكره عام الحديبية في عمرة القضاء ، وإن لم يقض شيئا من هذا كله فبحكم الأصل ، إذ القضاء يفتقر إلى أمر من الشارع ، كما يفتقر الأداء ، ولا سيما وقد ورد في حديث مسلم عن عائشة قالت : دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقال لها : أردت الحج ؟ قالت : واللّه ما أجدني إلا وجعة ، فقال لها : حجي واشترطي وقولي : اللهم محلي حيث حبستني ، وقال الترمذي قولي : لبيك اللهم لبيك ، محلي من الأرض