ابن عربي

285

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

والمحصر يحل من عمرته وحجه حين أحصر ، فإن كان المحرم قال حين أحرم إن محلي حيث تحبسني كما أمر ، فلا هدي عليه ، ويحل حيث أحصر ، وإن لم يقل ذلك وما في معناه فعليه الهدي ، وإن كان مع المحصر هدي تطوع نحره حيث أحل ، ولا إعادة على المحصر في حج التطوع وعمرته إن كان عليه في ذلك حرج ، فإن لم يكن عليه فيه حرج فليعد ، وأما الفريضة فلا تسقط عنه إلا إن مات قبل الإعادة فيقبلها اللّه له عن فريضته ، وإن لم يحصل منه إلا ركن الإحرام ، بل ولو لم يحصل منه إلا القصد والتعمل ، وما أوقع الخلاف بين العلماء في الإحصار إلا فهمهم في اللسان ، لأنه جاء في الآية بالوزن الرباعي ، ونقل أنه يقال : حصره المرض وأحصره العدو ، وقوله تعالى : « أُحْصِرْتُمْ » هو من أحصر لا من حصر ، يقال : فعل به كذا إذا أوقع به الفعل ، فإذا عرضه لوقوع الفعل يقال فيه أفعل ، وفي اللسان أحصره المرض وحصره العدو بغير ألف ، فهو في المرض من الفعل الرباعي ، وفي العدو من الفعل الثلاثي « فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ، فَمَنْ كانَ

--> اللّه في هذه النفقة كأنك تراه ، وإذا كنت بهذه المثابة فمن المحال أن ترجح إلا ما رجح اللّه من النفقة في إحدى السبيلين ، ويختار ما اختاره وقال : « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » يقول : الذين يعبدونه على المشاهدة ، لأن جميع الخيرات وإيثار جناب الحق تستلزم الإحسان في العبادة ، ثم قال : ( 197 ) « وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ » الآيات ، في هذه الآية دليل على أن الشروع ملزم ، وأن الإنسان إذا شرع في عبادة من تطوع أو واجبة عليه ، لزمه إتمامها على حد ما شرعها اللّه ، إما في كتابه أو على لسان رسوله المبلغ عنه والمبين ، كما شرع فيمن أحرم بالحج وليس له هدي أن يرد حجه عمرة ولا بد ، أو المرأة تحرم بعمرة فتحيض وتعرف أن حيضتها تكون معها في أيام الحج فترفض عمرتها وتحرم بالحج ، فإذا قضت الحج طافت بالبيت وقضت مكان عمرتها عمرة ، فقوله : « وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ » معرى عن الموانع ، وليس في هذه الآية دليل على وجوب الحج والعمرة على هذه القراءة ، وإنما ورد الأمر بالإتمام لمن دخل فيهما أو في أحدهما على الشرط المعتبر المشروع ، ولما قرن الحق بينهما في الإتمام وما أفرد للعمرة لفظا ثانيا من هذا الفعل ، يستروح منه ترجيح القران على الإفراد ، والكل جائز وإنما يقع الخلاف إما في الأفضل في ذلك ، وإما فيما فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من ذلك ، هل كان قارنا أو حاجا ؟ وأما قوله : « لِلَّهِ » يريد الإخلاص في العبادة للّه ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ ) لا يشوبه شيء من عمل لأجل ثواب أو خوف عقاب ، وإنما يقصد بذلك امتثال أمر اللّه إن كان واجبا ، أو إتيان ما رغب اللّه في إتيانه