ابن عربي
283
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
ولم تقاتل وطلبوا السلم منّا وأخرجوا أيديهم من طاعة من قاتلنا منهم لغير خداع فلنا أن نسالم تلك الطائفة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 195 ] وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 ) « وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » وهو هنا البخل « وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » المحسنون بما أشهدهم من كبريائه .
--> أَعْمالَكُمْ ) وفيها قضاء نوافل العبادات ، وفيه أنه من صدّ عن عبادة شرع فيها فله أجر الصد وما له أجر العمل ، إذ لو كان له أجر العمل - وفائدة العمل حصول الثواب - وقد حصل ، فكان إذا شرع في وقت آخر في مثل ذلك العمل لا يكون قضاء ، وإنما يكون ابتداء عمل آخر مشابه للعمل الذي صدّ عنه ، ولا كان يسمى ذلك عمرة القضاء ، هذا إن كان النقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم هذه التسمية ، وإن لم تكن منه فهذه عمرة أخرى ، وتلك العمرة التي صد عن إتمامها حصل له أجرها وكان محله حيث حبس ، ولهذا شرع للمحرم أن يقول : إن محلي حيث حبستني ، وإذا لم يقل ذلك عندنا وحبس عن تمام حجه أو عمرته فعليه دم على تركه هذا القول ، فإنه السنة ، والدماء في الحج لترك السنن ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم قد قضى الركعتين اللتين كان يصليهما بعد الظهر بعد العصر ، وأخبر أنهما تلك الركعتان ، فقضاهما وما كان قد شرع فيهما ، وإنما جاء الوفد فشغله قبل الشروع فيهما ، فكان قضاء لخروج الوقت الذي كان التزم أن يصليهما فيه دائما ، ثم قال : ( 196 ) « وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » الآية ، يقال أهلك فلان نفسه بيده ، فالمعنى ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة ، وقد تكون الباء زائدة ، والمعنى ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة ، أي إذا دعاكم ما يكون فيه هلاككم لا تلقوا بأيديكم إليه ، أي لا تنقادوا ولا تسمعوا له ، يحتمل سبيل اللّه هنا طرق البر كلها ، ويحتمل الجهاد خاصة ، وإن كان نزولها في الجهاد لما آثرت الأنصار الإقامة في أهلها وإصلاح أموالها وترك الجهاد حين فشا الإسلام وكثر ، ولكن سبيل اللّه كثيرة ، فالعدول إلى التخصيص تحكم أنه المقصود بالآية ، والتهلكة هنا يحتمل أمران : الواحد البخل ، والآخر التبذير ، فكأنه يريد الاقتصاد في النفقة حتى لا يقعد ملوما محسورا ، ولا يترك أولاده عالة يتكففون الناس ، وهذا يبنى على قدر الأوقات ، فقد يحسن في وقت بل يجب إخراج المال كله