ابن عربي
281
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
في الحرم الذي يحرم القتال فيه « وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » أي لا تتجاوزوا ما حددنا لكم من النهي عن قتل الرهبان والنساء والصبيان وكل من انحجز عن قتالكم من الرجال ، لكن هذا في الحرم خاصة ، وأما في غير الحرم فنحن مأمورون بقتال المشركين كافة فلا يغنيهم كونهم انحجزوا عنهم ، فلا نقاتل في الحرم إلا من باشر القتال ، ووقع النهي
--> حيث ثقفتموهم أي وجدتموهم على طريق القهر والغلبة ، يقال في اللسان رجل ثقف إذا كان سريع الأخذ لأقرانه ، وإذا كان على هذا ، فلا يكون قتالهم على وجه الأخذ والغلبة إلا بعد المنع مما دعوناهم إليه ، أو ابتداء القتال منهم ، ثم قال : « وَأَخْرِجُوهُمْ » خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين « مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ » يعني مكة ، وهو قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم لورقة بن نوفل حين أخبره أن قومه يخرجونه ، قال : أو مخرجي هم ؟ قال : نعم ، فقال اللّه له : « وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ، وَالْفِتْنَةُ » أي الابتلاء بالصد عن المسجد الحرام وبمفارقة الأوطان ، والخروج من الديار مع وجود الحياة وتجدد الآلام في كل وقت لذلك « أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ » فإن القتل إنما هو ساعة وينتقل فيستريح من عذاب مفارقة الوطن عن كره لشغله بما يصير إليه من خير أو شر ، وإن أراد بالفتنة الكفر باللّه والشرك ، فنقول : والشرك باللّه في الحرم أشد من القتل بلا شك ، ثم قال : « وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ » أي لا تبدءوهم بقتال كما ذكرنا قبل ، وقد يفهم من هذا ما ذهب إليه عطاء بن أبي رباح أن الحرم كله مسجد ، فإن النهي إنما وقع عن القتال في الحرم ، وهذا الخطاب عام إلى يوم القيامة ، ثم قال : « فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ » أي فإن قاتلوكم فيه يعني في الحرم ، فهنا لا يسوغ إلا قتال من قاتل منهم لا قتال من انحجز عنهم ولم يقاتل لحرمة الحرم ، وكذلك في غير الحرم لو انحجز من المحاربين طائفة ولم تقاتل وطلبت السلم منا وأخرجوا أيديهم عن طاعة من قاتلنا منهم لغير خداع فلنا أن نسالم تلك الطائفة ، ثم قال : « كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ » فجعل قتالنا لمن قاتلنا جزاء ، والجزاء لا يكون ابتداء ، ففيه تأكيد أن لا نبدأ بقتال كما أشرنا ، والكاف في كذلك إن شئت جعلتها زائدة ، وإن شئت كانت صفة ، أي مثل ذلك يكون أيضا جزاء الكافرين من أهل الكتاب إذا قاتلوكم وكل من قاتلكم ممن ليس بمشرك لما كانت الآية نزلت في حرب أهل الأوثان الذين ليسوا أهل كتاب ، فأراد اللّه تعريفنا بأن ذلك جزاء كل كافر شرعا ، ثم قال : ( 193 ) « فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » أي فإن انتهوا عن قتالكم في الحرم أو عن الشرك والكفر ، فإن اللّه يغفر لهم ما وقع منهم من الإثم والعدوان في أيام كفرهم « رَحِيمٌ » بكم وبهم حيث قرر لهم أن يسلموا على ما أسلفوا من خير ولم يحبط لهم ما كانوا عليه في الكفر من العتق والبر ومكارم الأخلاق ، وإن تمادوا على غيهم ولم ينتهوا قال :