ابن عربي
277
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ » ولم يقل للحاج ، فأنزل الحج في الآية منزلة الناس ، ما أنزله منزلة الديون والبيوع ، وإن كان المعنى يطلبه ، فعلمنا أن حكم الحج عند اللّه ليس حكم الأشياء التي تعتبر فيها الأهلة ، أعني مواقيت الأهلة ، والحج فعل مضاف مخصوص معيّن يفعله الإنسان كسائر أفعاله في بيوعه ومدايناته ، فاعتنى بذكر هذه الأفعال المخصوصة لأنها أفعال مخصوصة للّه عزّ وجل بالقصد ، ليس للعبد فيها منفعة دنيوية إلا القليل من الرياضة البدنية ، ولهذا تميز حكم الحج عن سائر العبادات في أغلب أحواله وأفعاله في التعليل ، فأكثره تعبد محض لا يعقل له معنى عند الفقهاء ، فكان بذاته عين الحكمة ما وضع لحكمة موجبة ، وفيه أجر لا يكون في غيره من العبادات ، وتجل إلهي لا يكون في غيره من الأعمال ، فالحاج في الحج يجني ثمرة الزمان وما يحوي عليه من المعارف الإلهية المختصة بشهر ذي الحجة ، ويجني ثمرة العدد في المعارف الإلهية ، لأن العدد له حكم فيها ، فالحج هو المعطي ما يحوي عليه من المعارف الإلهية للحاج ، لهذا أضيف الميقات للحج في الهلال وما أضيف للحاج كما أضيف للناس ، « وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى » البر هو
--> ضمنها من جاه وخوف من ذي سلطان ، والسبب في نزول هذه الآية أن إمرأ القيس بن عابس الكلبي ، وعبدان الحضرمي اختصما في أرض وكان الطالب عبدان والمطلوب إمرأ القيس ، ولم تكن لعبدان بينة ، فأراد امرؤ القيس أن يحلف فقال النبي عليه السلام : [ إن الذين يشترون بعهد اللّه وأيمانهم ثمنا قليلا ] إلى آخر الآية ، فلما سمعها امرؤ القيس كره أن يحلف ولم يخاصمه في أرضه وحكمه فيها ، فقال النبي عليه السلام : [ إنما أنا بشر مثلكم وأنتم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ، فلا يأخذن منه شيئا ، فإنما أقضي له قطعة من النار ] فبكيا وقال كل واحد منهما حقي لصاحبي فقال : [ اذهبا فتوضيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه ] ونزلت الآية « وَلا تَأْكُلُوا » ومعنى « وَتُدْلُوا » ولا تدلوا فجزم أو منصوب بإضمار إن ( 190 ) « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ » الآية ، السائل جماعة منهم معاذ بن جبل وثعلبة ، وهما من الأنصار ، فقالوا : [ يا رسول اللّه ما بال الهلال يبدو مثل الخيط ، ثم ينمو حتى يمتلي ، ثم ينقص حتى يعود كما بدأ ] فأنزل اللّه « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ » ثم قال له : « قُلْ » لهم « هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ » فسماها أهلة ولم يقل هلال ، فإن للهلال في كل ليلة حالة من نقص أو زيادة ليس لليلة الأخرى ، فهلال الليلة ما هو هلال الليلة التي قبلها ولا التي بعدها ، فإن الذي به سمي هلال هذه الليلة على الاختصاص إنما هو لأجل الزائد ، أو