ابن عربي
262
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
« هُدىً » أي بيانا « لِلنَّاسِ » على قدر طبقاتهم وما رزقوا من الفهم عنه ، « وَبَيِّناتٍ » فكل شخص على بينة تخصه بقدر ما فهم من خطاب اللّه في ذلك ، « مِنَ الْهُدى » وهو التبيان الإلهي « وَالْفُرْقانِ » فإنه جمعك أولا معه في الصوم بالقرآن ، ثم فرقك لتتميز عنه بالفرقان ، فأنت أنت وهو هو ، فبما هو الصوم له فهو من باب التنزيه ، وهو لك عبادة لا مثل لها « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » يقول فليمسك نفسه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، خرج مسلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذكر رمضان فضرب بيده فقال : الشهر هكذا وهكذا ، ثم عقد إبهامه في الثالثة ، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين ، وقد ورد عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا ، وعقد الإبهام ، والشهر هكذا وهكذا وهكذا ، يعني تمام الثلاثين ، وحديث أقدروا من حمله على التضييق ابتدأ بصوم رمضان من يوم الشك ، ومن حمله على التقدير حكم بالتسيير ، وذلك يرجع إلى الحساب بتسيير القمر والشمس ، وهو مذهب ابن الشخير ، وبه أقول ، وإذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية ، وإن رؤي بعد الزوال فهو لليلة الآتية ، ومن أبصر هلال الصوم وحده عليه أن يصوم ، وكذلك يفطر برؤية هلال الفطر وحده ، وقد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يقال رمضان كما سبق أن ذكرنا ، وفرض اللّه صومه وندب إلى قيامه ، وهو يتضمن صوما وفطرا لأنه يتضمن ليلا ونهارا ، واسم رمضان ينطلق عليه في حال الصوم والإفطار ، حتى يتميز من رمضان الذي هو اسم اللّه تعالى ، فإن اللّه تعالى له الصوم الذي لا يقبل الإفطار ، ولنا الصوم الذي يقبل الفطر ، فصوم شهر رمضان واجب على كل إنسان مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم غير مسافر ، وهو عين هذا الزمان المعلوم المشهور المعيّن من الشهور الاثني عشر شهرا ، الذي بين شعبان وشوال ، والمعين في هذا الزمان صوم الأيام دون الليالي ، وحد يوم الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، فهذا هو حد اليوم المشروع للصوم لا حد اليوم المعروف بالنهار
--> الدنيا في هذه الليلة جملة واحدة ، وقيل ينزل منه في كل ليلة القدر في رمضان قدر ما ينزل منه على النبي عليه السلام في سائر السنة ، وقد ورد أن الصحف والكتاب المنزلة على الأنبياء نزلت كلها في رمضان ، فوصل إلينا من ذلك أن صحف إبراهيم نزلت أول ليلة من رمضان ، والتوراة