ابن عربي
259
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الأيام في قوله « فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » فالذي يجب على المكلف في سفره عدة من أيام أخر ، له الاختيار في تعيينها ، وإذا قضيت أيام رمضان من مرض أو سفر فاقضه متتابعا كما أفطرته متتابعا ، تخرج بذلك من الخلاف « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ » الآية عندي مخصصة غير منسوخة في حق الحامل والمرضع والشيخ والعجوز ، فالحامل والمرضع يطعمان ولا قضاء عليهما ، والشيخ والعجوز إذا لم يقدرا على الصوم يفطران ولا يطعمان ، فإن الإطعام شرع مع الطاقة على الصوم ، وأما من لا يطيقه فقد سقط عنه التكليف في ذلك ، وليس في الشرع إطعام من هذه صفته من عدم القدرة عليه ، فإن اللّه ما كلف نفسا إلا وسعها وما كلفها الإطعام ، فلو كلفها مع عدم القدرة لم نعدل عنه وقلنا به ، والإطعام مد عن كل يوم « وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ » فقد قال فيه إن الصوم لا مثل له ، فهو عبادة لا مثل لها في الخيرية « إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » قد تكون إن هنا بمعنى ما يقول . ما كنتم تعلمون أن الصوم خير من الإطعام لولا ما أعلمتكم ، ويكون معناها أيضا « إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » الأفضل فيما خيرتكم فيه ، فقد أعلمتكم مرتبة الصوم ومرتبة الإطعام - [ التخيير اختبار وابتلاء ] تحقيق - اعلم أن الحق إذا خير العبد فقد حيره ، فإن حقيقته العبودية فلا يتصرف إلا بحكم الاضطرار والجبر ، والتخيير نعت السيد ما هو نعت العبد ، وقد أقام السيد عبده في التخيير اختبارا وابتلاء ، ليرى هل يقف مع عبوديته أو يختار فيجري في الأشياء مجرى سيده ، وهو في المعنى مجبور في اختياره مع كون ذلك عن أمر سيده ، فكان لا يزول عن عبوديته ولا يتشبه بربه فيما أوجب اللّه عليه التخيير ، ولما نبه تعالى عباده على أن الصوم خير لهم إذا اختاروه أبان لهم بذلك عن طريق الأفضلية ، ليرجحوا الصوم على الفطر ، فكان هذا من رفقه سبحانه بهم
--> في القضاء الإطعام كما جاز في زمان رمضان ، لأن الصوم قد ترتب في الذمة بالترجيح في زمان التخيير ، وانقضى الزمان على ذلك ، ثم قال : « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ » أي يصومونه طاقتهم « فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ » لكل يوم إطعام مسكين ، واختلف الناس في قدر ذلك ، والأولى أن يكون الإطعام نصف صاع من طعام ، إذ قد نص الشارع عليه في بعض الكفارات ، فالرجوع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام عند الخلاف أولى « فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً » أي زاد على الواجب من جنسه فأطعم أكثر من مسكين أو أكثر من نصف صاع « فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ » أي أعظم لأجره « وَأَنْ تَصُومُوا » بدلا من الإطعام « خَيْرٌ لَكُمْ » عند اللّه وأعظم أجرا « إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » أي إن عملتم بما