ابن عربي

246

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

أو لا يجيب إذا اقتضى الإجابة فلا يعقل إلا من سمع « فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ » عن اللّه ، فإن من عقل المطلوب منه فيما أسمعه أن يرجع ، فهم لا يرجعون إلى اللّه ، وو اللّه إن عيونهم لفي وجوههم ، وإن سمعهم لفي آذانهم ، وإن ألسنتهم لفي أفواههم فهم لا يعقلون ، والعقل من العقال ، أي لا يتقيدون بما أريد له المسموع ولا المبصر ولا المتكلم به ، فهم لا يعقلون أن ذلك المصوت به حق فيما يدعوه إليه ، فمن أعجب الأشياء وصف السامع بالصمم والبصير بالعمى والمتكلم بالبكم ، فما عقل ولا رجع وإن فهم .

--> كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً » يحتمل هذا المثل وجهين : الوجه الواحد أنه ضربه مثلا للرسول الذي يدعوهم إلى الحق ولهم ، والوجه الآخر أنه ضربه مثلا للكافرين ولمن اتخذوه إلها من دون اللّه ، وهل الضمير في كفروا يعود على الناس الكافرين كلهم من أهل الملل ، أو يعود على كفار اليهود خاصة ، فنقول : إن كان المثل للرسول ولهم فيكون معناه : ومثل الذين كفروا ومثل دعاء الرسول لهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ، فعند غير أهل طريقنا خرج عباد الأصنام والأوثان من هذا المثل ، وعندنا لم يخرج منهم أحد عن هذا المثل ، فإن الأصنام عندنا تسمع وتشهد على متبعيها ، كما ورد في أنه يشهد للمؤذن مدى صوته من رطب ويابس ، وتسبيح الحصى في كف النبي عليه السلام ، فخرق العادة عندنا لم يكن في تسبيح الحصى ، وإنما كان في إدراكنا ما لم نكن قبل ندركه ، قال تعالى : ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) فجرى المثل على كل من عبد غير اللّه ممن هو بهذه الصفة ، وليس التشبيه هنا براعي الغنم والإبل ، فإنها تفهم عن الراعي إذا نعق بها ما يريد بذلك ، من مشي وورود ماء ونهي عن أكل ، وإنما الأوجه نداء الشخص بالوحوش الشاردة ، فإذا سمعت نداء تخيلت أنه الصائد فندت وشردت عن ندائه ، كذلك الرسول يريد أن يوقعهم في حبالة الإيمان ويقيدهم عن مسارحهم التي كانوا فيها ، فيشردون عند دعائه خوفا من ذلك ، ويكون التشبيه مطابقا ، والوجه الآخر أن شبههم في دعائهم آلهتهم إذا لجئوا إليها في أوقات ضروراتهم ، فلا يجيبونهم ، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ، وهم كما قلنا الوحوش الشاردة ، فإذا سمعت آلهتهم أصواتهم بنسبة الألوهية لهم فرقوا من ذلك ، وتبرءوا إلى اللّه من مقالتهم ، وهم لا يشعرون ، فإنهم لا يحسون بذلك منهم ، وقد ختم اللّه عليهم ، فلا يجيبونهم إلا بأمر اللّه ، وقوله : « إِلَّا دُعاءً وَنِداءً » كلام صحيح ، فإن السمع إنما متعلقه الصوت ، والفهم من قوة أخرى وهو العقل ، فذكر إدراك النداء والدعاء ، وما ذكر إدراك المعنى المقصود من ذلك الدعاء ، وقوله : « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ » تقدم الكلام في تفسيره ، وقوله : « فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ »