ابن عربي
242
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 166 ] إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ( 166 ) اعلم أنه ما من معبود إلا ويتبرأ من الذي يعبده هنا ، من حيث لا يسمع العابد إلا بخرق العوائد ، وفي الدار الآخرة على الكشف ، ففي موقف القيامة يقر كل أحد بالشهادة ولا ينكر ولا يدعي لنفسه ربوبية ، والتبرؤ يوم القيامة يقع من الطائفة التي ادعيت فيها الألوهية ولم تدعها لنفسها ، « مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا » وهم الذين اتخذوهم آلهة من دون اللّه ، ما لم يتوبوا قبل الموت ممن يقبل صفة التوبة وليس إلا الجن وهذا النوع الإنساني ، فإذا عذب اللّه غدا المشركين الذين ذكرهم اللّه أنه لا يغفر لهم ، فإنما يعذبهم من حيث أنهم ظلموا أنفسهم ووقعوا في خلق بكلام ودعوى ساءتهم ، وتوجهت منهم عليهم حقوق في أعراضهم يطلبونهم بها - الوجه الثاني - الذين قالوا : « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » يوم القيامة تهلكهم عاداتهم ولا تنفعهم عباداتهم ، ولا تغني عنهم من اللّه آلهتهم شيئا ، وتبرأ منهم عند اضطرارهم أئمتهم ، فلم تنفع البراءة تلك الأئمة ، وضوعف لهم العذاب خلف حجاب الظلمة ، فكانوا وأتباعهم عن سعاداتهم بمعزل ، وأنزلوا النار دار البوار .
--> المشركين أو الظالمين مطلقا ، والأول أوجه « إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ » ينزل بهم يوم القيامة فإنهم يعلمون في ذلك الوقت « أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً » يعني القوة أجمعها التي كان المشركون قد فرقوها على الآلهة والأنداد الذين اتخذوها « و » يعلمون « أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ » كما قال تعالى : ( إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) وقال : ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ) ( 167 ) « إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ » العامل في « إِذْ » * أيضا ( وَلَوْ تَرى ) * إذ تبرأ شركاؤهم وإن كانوا حجارة ، فإن الدار الآخرة هي الحيوان ينطق فيها كل شيء ، قال تعالى : ( وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) فعمّ ، وتبرأ منهم رؤساؤهم الذين أضلوهم ، وجعلوهم يشركون باللّه من الذين اتبعوهم وهو قوله : ( وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ) حتى تنظروا وتبحثوا على وجه الحق ، بل كنتم مجرمين ، أي مستحقين العذاب ، وقد يكون العامل في « إِذْ » ( وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ ) إذ تبرأ ، أي في هذا الوقت ، « وَرَأَوُا الْعَذابَ » هذه الواو واو الحال يأتيهم « وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ » التي كانوا يظنون في الدنيا أنها توصلهم إلى سعادتهم ، وتشفع لهم عند اللّه كما كانوا يزعمون في قولهم ( ما