ابن عربي

237

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 164 ] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 164 ) الآيات المعتادة هي التي لا خبر لنفوس العامة بكونها حتى يفقدوها ، فإذا فقدوها عرفوا في ذلك الوقت موضع دلالتها وقدرها ، وأنهم كانوا في آية وهم لا يشعرون ، لذلك قال تعالى : « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » إلى آخر الآية « وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ » حدث الليل والنهار بخلق الشمس في اليوم وقد كان اليوم موجودا ، فجعل النصف من هذا اليوم لأهل الأرض نهارا ، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها ، وجعل النصف الآخر منه ليلا ، وهو من غروب الشمس إلى طلوعها ، واليوم عبارة عن المجموع ، فتكرار الملوان بالاسم لا بالعيان ، ودار الفلك فحدث الجديدان ، « وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » ما وضع اللّه الأسباب سدى إلا لنقول بها ونعتمد عليها اعتمادا إلهيا ، أعطت الحكمة الإلهية ذلك ، فالحكيم الإلهي الأديب

--> وأكثروا الإنكار في ذلك وطالبوا النبي عليه السلام بالدليل على أحديته ، فأنزل اللّه تعالى ( 165 ) « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » فجعل وجود كل ما ذكره في هذه الآية دليلا على أحديته لمن يعقل موضع الدليل من الذي ذكره ، كما قال تعالى في التنبيه لهم على موضع الدلالة مما ذكره ( لَوْ كانَ فِيهِما ) يعني في السماء والأرض ( آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ) فإنه قد أجمعنا مع المشركين على ثبوته سبحانه ، وخالفونا في الأحدية فكان الدليل المنصوب لهم من عند اللّه على أحديته أنه لو كان له شريك في فعله يسمى إلها ، لكان لا يخلو إما أن يختلفا في كون الشيء أو يتفقا ، فإن اختلفا فالذي ينفذ اقتداره هو الإله ، والذي يعجز ليس بإله ، وإن