ابن عربي
227
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 154 ] وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 ) لما تقرب الشهداء بأنفسهم إلى اللّه في قتال أعداء اللّه كانت لهم الحياة الدائمة والرزق الدائم والفرح بما أعطاهم اللّه ، فلا يقال في الشهداء أموات لنهي اللّه عن ذلك ، لأن اللّه أخذ بأبصار الخلق عن إدراك حياتهم ، كما أخذ بأبصارهم عن إدراك الملائكة والجن مع معرفتنا أنهم معنا حضور ، ولا نعتقد أيضا في الشهداء أنهم أموات بقوله تعالى : ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ ) وخبر اللّه صدق ، فثبتت لهم الحياة لما قصدوا القربة إلى اللّه بنفوسهم ، فما مات من قتله أعداء اللّه في سبيل اللّه ، فجمع اللّه لهم بين الحياتين ، فالمقتول في سبيل اللّه في معترك حرب الكفار حي يرزق ، ولذلك لا يغسل ، وإنما أمرنا بغسل الميت ، وهذا الشهيد الخاص
--> بمناجاتي والحديث معي عن ذلك ، وقصد إلى الصلاة دون سائر العبادات من الفرائض والنوافل لوجهين : الواحد أنه ما ثم عبادة تتضمن مناجاة الحق والحديث معه وأن يقول معه ، ويقول له إلا الصلاة ، فهي مشغلة للعبد عن ما سواها ، فقيل استعن بالصلاة ، فإن الصوم ليس فيه شغل بحديث مع اللّه ولا غيره ، ثم إن فرضه شهر في السنة ، والزكاة كذلك ، والحج مرة في العمر ، والجهاد متى ما حضر عدو ، ونوافل هذه العبادات كذلك ، إنما تكون في أزمان بعيدة ، والصلاة مستصحبة ليلا ونهارا ، فرضها ونافلتها ، وأوقات النهي إذا كان على طهارة ينتظر الصلاة فهو في صلاة ، فما أمرهم الحق إلا بما يكون لهم معونة بلا شك على ذلك ، ووجه آخر أن الصبر هنا في هذه الآية هو جهادهم وقتالهم ، أي احبسوا نفوسكم على قتالهم والفتك فيهم ، فإن اللّه معكم مؤيد وناصر ، وهو الأظهر ، فإنه سبحانه أردف هذه الوصية بقوله : ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ ) وهو الأوجه في تفسير الصبر هنا على الجهاد ، ولما كان القتال مشغلا عن الصلاة ، أوصى بالصلاة ، أي أنّ الاشتغال بها أمام العدو مع احتداد القتال على معاينة منهم لذلك ، إرهاب في قلوبهم ، ليعلموا أن في مقابلتهم رجالا لا يشغلهم خوف هجوم عدوهم عليهم في حال صلاتهم عن صلاتهم ، وأيضا يقول لهم اللّه : لما أمرتكم بالصبر الذي هو حبس النفس على قتال الأعداء عن الصلاة إذا حضر وقتها لا يشغلكم ذلك ، فإن في حضوركم معي فيها تقوية لكم ومعونة ، فإنها مذكرة لكم أنكم بعيني وأني معكم ، ومن قتل منكم فإنه لا يموت ، بل هو حي عندي ، فقال تعالى : ( 155 ) « وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ » لا يلزم من