ابن عربي
224
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
هو الذي يصلي عليكم أي : يؤخر ذكره عن ذكركم ، فلا يذكركم حتى تذكروه ، كان صلّى اللّه عليه وسلم في حال الضراء يقول : الحمد للّه على كل حال ، وفي حال السراء : الحمد للّه المنعم المفضل ، وأي ضراء على العبد أضر من الذنب ، فإنك إذا أشعرت قلبك ذكر اللّه دائما في كل حال لا بد أن يستنير قلبك بنور الذكر ، واللّه يقول في الخبر المأثور الصحيح عنه الحديث وفيه : « وأنا معه » يعني مع العبد « حين يذكرني ، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم » . وقال تعالى : « وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ » وأكبر الذكر ذكر اللّه على كل حال ، والشكر من المقامات المشروطة بالنعماء والمحبة ، ليس للبلاء في الشكر دخول ، ولا للصبر في النعم دخول ، ولما كانت الصلاة مناجاة بين اللّه وبين عبده فإذا ناجى العبد ربه فأولى ما يناجيه به من الكلام كلامه ، الذي شرع له أن يناجيه به ، وهو قراءة القرآن في أحوال الصلاة ، من قيام وهو قراءة الفاتحة ، وما تيسر معها من كلامه ، ومن ركوع وهو قوله تعالى : « فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ » * فهو ذاكر ربه في صلاته بكلامه المنزل ، وكذلك في سجوده يقول : « سبحان ربي الأعلى » فأمرنا اللّه بذكره وشكره ، والفاتحة تجمع الذكر والشكر ، وهي التي يقرؤها المصلي في قيامه ، فالشكر فيها قوله « الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » * وهو عين الذكر بالشكر إلى كل ذكر فيها وفي سائر الصلاة ، فذكر اللّه في حال الصلاة وشكره ، أعظم وأفضل من ذكره سبحانه وشكره في غير الصلاة ، فإن الصلاة خير موضوع العبادات ، وقد أثرت هذه الصلاة في الذكر هذا الفضل وهو يعود على الذاكر ، وينبغي لكل من أراد أن يذكر
--> وَلا تَكْفُرُونِ » يقول سبحانه : « فَاذْكُرُونِي » بهذه النعم التي قررتكم عليها وأتممتها عليكم التي لا تحصى كثرة ، سرا في نفوسكم وعلانية في ملإ من عبادي ، تعلمون به الجاهل ، وتذكرون به الناسي والغافل « أَذْكُرْكُمْ » جزاء لذكركم إياي ، فمن ذكرني منكم في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه يعني الملائكة ، قال : واشكروا نعمتي ، وقرنها بقوله تعالى : « لِي » فقال : « وَاشْكُرُوا لِي » وهذا شكر خاص ، وهو أعلى الشكر ، وحق الشكر وهو أن ترى جميع النعم منه حين تقف الناس مع الأسباب التي يرسل اللّه النعم عند وجودها ، فلذلك قال : « وَاشْكُرُوا لِي » وقد وعد بالزيادة للشاكرين ، قال : « وَلا تَكْفُرُونِ » أي ولا تستروا نعمتي ، فإنه يقول لنبيه لما قال : ( وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ) ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ