ابن عربي
215
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
على معارج حروف القرآن وكلماته بسور تلك الحروف والكلمات والآيات والسور والحروف الصغار منه ، وبه يتميزون عن أهل الموقف في هذه الأمة ، لأن أناجيلهم في صدورهم « وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ » فإن الدار الدنيا دار بلاء وفيها يظهر الصادق من الكاذب
--> الأصنام التي نصبوها للعبادة فكانوا يقربون لها ، فعلى هذا يخرج قوله : « وَيَكُونَ الرَّسُولُ » لكم [ شهيدا ] بعلامات قد جعل اللّه في أمته ، يعرف بها المؤمن منهم من غير المؤمن ، فيشهد للمؤمن ويشهد على الكافر ، فمن علامة المؤمنين أن لهم نورا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ، ومن ذلك أن يأتوا غرّا محجلين من آثار الوضوء ، وقد يخرج على شهادته على الكفار ممن بعث إليهم فلم يؤمنوا به ، فإن رسالته عامة لجميع الخلق وكافرهم أكثر من مؤمنهم ، فغلّب الكثرة على القلة ، فأتى بعلى دون اللام ، وعطف ضمير المخاطب في عليكم على الضمير في تكونوا لما يتضمن ضمير المخاطب من المؤمنين ، فإن الأنبياء كلهم يوم القيامة يشهدون على أممهم للّه بردهم دعوة الحق التي جاءوا بها إليهم ، ثم قال تعالى : « وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ » يقول : قبلة لك ، أي تتوجه إليها عند الصلاة وفي الدعاء ، الكعبة وبيت المقدس ، إلا ابتلاء لقومك ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ، ثم صلى إلى البيت المقدس سبعة عشر شهرا ، ثم أمر باستقبال الكعبة ، كل ذلك اختبارا ومحنة لقومه ، ودلالة على صدقه ، وأنه في كتابهم من علاماته أن يصلي إلى القبلتين ، ولذا قال : [ وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ] ثم قال [ ليعلم الرسول والمؤمنون ] لأنه سبحانه شرّك في الضمير بينه وبينهم تشريفا لهم ، لأنهم أهل القرآن ، فهم أهل اللّه وخاصته ، وهذا كثير في كلام العرب معروف غير منكور ، والذي يتعلق به من التأويل في جناب الحق هو أن يتعلق العلم بالكائن كما تعلق بسيكون ، فهو لتعلق العلم لا لاكتساب العلم ، ومنه قوله : [ ولنبلونكم حتى نعلم ] فقال : « إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ » فيما يشرع لكم على يده ، أي يقتدي به من غير معارضة ولا اعتراض ، « مِمَّنْ يَنْقَلِبُ » أي يرجع عنه « عَلى عَقِبَيْهِ » يعني إلى ضلالته التي جاء منها مقبلا على الرسول ليسمع منه ، فلما تبين له الهدى انقلب على عقبيه فأضله اللّه على علم [ وما كان اللّه ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ] وهؤلاء الذين انقلبوا على أعقابهم في هذه المسألة وغيرها ، هم الذين يكون غدا جزاؤهم عند اللّه إذا قالوا للمؤمنين : [ انظرونا نقتبس من نوركم قيل لهم ] من جانب الحق [ ارجعوا وراءكم ] كما رجعتم عندما رأيتم نور الهدى في الدنيا على أعقابكم [ فالتمسوا نورا ] هنالكم ولن تجدوه ، وكثرت قالة الكفار والمنافقين في رجوع النبي عليه السلام إلى استقبال