ابن عربي
213
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
نقدم سائر أهل الموقف ، ويقدم القراء منّا من ليس له من القرآن مثله ، فأكثرنا قرآنا أسبقنا في التقدم والرقي في المعراج المظهر للفضل بين الناس يوم القيامة ، فإن للقراء منابر ، لكل منبر درج على عدد آي القرآن ، يصعد الناس فيه بقدر ما حفظوا منه في صدورهم ، ولهم منابر أخر لها درج على عدد آي القرآن ، يرقى فيها العاملون بما حققوه من القرآن ، فمن
--> وجعل الصراط مثله نكرة ، يقول : أي طائفة شئت كلفت بأي عبادة شئت ، فتكون صراطا له إلى سعادته مستقيما من كونه مشروعا منا ، وكما كان من جعلنا الكعبة أول بيت لنا وضعناه في الأرض لعبادنا ليحفوا به كما تحف الملائكة بعرشنا ، ويدخله عبادي كما تدخل الملائكة البيت المعمور ، وجعلناه خير البيوت ، وجعلناكم أنتم خير أمة أخرجت للناس ، وجعلناكم أمة وسطا شهداء على سائر الأمم ، جعلنا الأشرف من عبادي على سائر جنسهم يستقبل الأشرف من بيوتي على سائر البيوت التي نسبتها إليّ ، ومن تحت هذا البيت دحا اللّه الأرض على ما روي ( 144 ) « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ » الآية ، يقول : ومثل ذلك ، الكاف للصفة ، « جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً » أي خيارا عدلا ، فالعجب من هذا كالعجب من هذا ، فإن أفعال اللّه كلها عجيبة ، هي نفس الحكمة تجري على غير قياس ولا مثال ، هذه الآية دليل على أن المؤمن باللّه ورسوله وما جاء من عنده محمول على العدالة ، مقبول الشهادة ، ليس للحاكم أن يرد شهادته ، ولا يسأل عن حاله ، ويحكم ولا يتوقف ، هذا هو الشرع المنزل ، فإن اللّه زكاه وعدله بالإيمان وجعله شاهدا مقبولا عنده ، وهو الحكم العدل ، وكذا فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقد شهد عنده شخص برؤية الهلال ، فقال له : أتشهد أن لا إله إلا اللّه ، قال : نعم ، فقبل شهادته وأمر بلالا أن ينادي في الناس بالرؤية ، وأما قوله : ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) يقول مؤمنين لم تروا منهم ما يؤدي إلى تجريحهم وليس لكم أن تبحثوا عنهم إذ ليس في الآية ذلك ويؤيد هذا قوله في من حضره الموت في السفر ( ذوا عدل منكم ) يعني مؤمنين ( أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) أي ممن ليس بمؤمن ، فإن ادعى الخصم تجريح الشاهد وأنه ذو جرحة في دينه ، جرحة ترد بها شهادته ، توقف الحاكم في الحكم ، وقيل للخصم : أقم البينة على ما ادعيته من جرحه ، فإن قامت البينة على ذلك عند الحاكم رد شهادته ، وإن لم تقم عزّر الخصم لافترائه عليه ، إلا أن يكون الخصم مجتهدا ، فتخيل فيما ليس بجرحة أنها جرحة ، فليس له تعزيره ، ويحكم بشهادة الشاهد ، ويكون الخصم قد أخطأ في اجتهاده ، والأوجه عندي في مسألة التجريح ، أن كل جرحة لا تقدح في صدق ما يقوله لا يجرح بها في شهادته ، كالتورية وغيرهم ، فإنهم لا يكذبون ولو مضت في ذلك نفوسهم وأموالهم وأولادهم ، وهم مع ذلك يسرقون ويفسقون بجميع أنواع الفسوق إلا الكذب ، وإنما قلنا إن