ابن عربي
210
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وإنما لامرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله ، فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) والنية لجميع الحركات والسكنات من المكلفين للأعمال ، كالمطر لما تنبته الأرض ، فالنية من حيث ذاتها واحدة ، وتختلف بالمتعلق ، وهو المنوي فتكون النتيجة بحسب المتعلق به لا بحسبها ، فإن حظ النية إنما هو القصد للفعل أو تركه ، وكون ذلك الفعل حسنا أو قبيحا ، وخيرا أو شرا ما هو من أثر النية ، وإنما هو أمر عارض عرض ، ميّزه الشارع وعينه للمكلف ، فليس للنية أثر البتة من هذا الوجه خاصة ، وإنما النية سبب في ظهور الأعمال الصالحة وغير الصالحة ، وليس لها إلا الإمداد ، وحقيقتها تعطي تعلقها بالمنوي ، وكون ذلك المنوي حسنا أو قبيحا ليس لها ، وإنما ذلك لصاحب الحكم فيه بالحسن والقبح ، فالمخاطب المكلف إن نوى الخير أثمر خيرا ، وإن نوى الشر أثمر شرا ، وما أتي عليه إلا من المحل من طيبه وخبثه ، فالإخلاص هو النية وإن فاتتك النية فاتك الخير كله ، فكثير ما بين فاعل بنية القربة إلى اللّه ، وبين فاعل بغير هذه النية ، والعبادة عمل وترك ، فالإخلاص مأمور به شرعا .
--> فِي اللَّهِ » الآية ، هذه المحاجة هو قوله : ( فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ ) أي في منازعة لكم في اللّه وما أنزل إليكم ، فقال اللّه لنبيه : « قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ » عندنا وعندكم ، فقد ثبت ذلك وأجمعنا عليه نحن وأنتم أن اللّه رب الكل فما فيه محاجة ، وادعيتم أنتم الشريك معه وهو عزير والمسيح ، ولم تأتوا على ذلك ببرهان ولا تجدونه ، وقد يئسنا من رجوعكم إلى ديننا ، ويئستم من رجوعنا إلى دينكم ، كلمة إنصاف قوله : « وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ » أي ما عمل كل واحد منا من شيء يجده عند اللّه ، لا خلاف بيننا وبينكم في ذلك ، قال تعالى : ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ) غير أنه يظهر الحق معنا فنحن له مخلصون ، وهو قوله : « وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ » أي أخلصنا له الألوهية أن يكون له فيها شريك أو معين ولم تفعلوا أنتم ذلك ( 141 ) « أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ » الآية ، قد تكون أم هنا معادلة لهمزة تحاجوننا ، يقول : أتحاجوننا أم تقولون ، فإن الهمزة التي في أتحاجوننا يتصور فيها الاستفهام والإنكار ، وكذلك « أَمْ تَقُولُونَ » فتكون متصلة ، وتكون القراءة في تقولون بالتاء المنقوطة من فوق ، فإن كانت القراءة بالياء فهي منقطعة ، فإنه ذكر عن غائب ، والقراءة على الخطاب أولى ، والعطف أوجه في القراءتين ، على أن يكون أي الأمرين « إِنَّ إِبْراهِيمَ