ابن عربي
207
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الكواكب واندرجت أنوارها في نور الشمس ، فكان خفاؤها نظير ما نسخ من الشرائع بشرعه صلّى اللّه عليه وسلم مع وجود أعيانها ، كما يتحقق وجود أنوار الكواكب ، ولهذا ألزمنا في شرعنا العام أن نؤمن بجميع الرسل ، وجميع شرائعهم أنها حق ، فلم ترجع بالنسخ باطلا ، ذلك
--> الأعمال البدنية ، ويحتج بقوله تعالى : ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) وقوله : « ما كَسَبَتْ » من الخير والشر ، أي ما عملته من ذلك ، والذي أذهب إليه في هذه المسألة أن ليس للإنسان أن يطلب جزاءه إلا عن ما سعى فيه ، وليس له بطريق الجزاء إلا ما عمله ، وأما عمل غيره فلا يتعدى له من حيث هو عمل ، فإن العمل لا يتصف به إلا عامله وهو الصحيح ، وإنما الجزاء الذي عيّن اللّه على ذلك لعامله هو رحله يتصرف فيه كيف يشاء ، فيمسكه لنفسه ويهبه إن شاء لمن يريد ، فالذي يوهب له ذلك الثواب فليس هو له جزاء ، لأنه وصل إليه من غير عمل عمله ، ولكن من باب الهدية والمنة من صاحبه ، كالرجل يأخذ أجرة عمله فإن شاء أكلها ، وإن شاء تصدق بها ، وقد ورد في الشرع ما يؤيد قولنا ، وهذا نقول به في الخير ، وأما في الشر فلا ، فإن الشرع منع من ذلك ، قال تعالى : ( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) * ( وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ) ، ثم قال : « وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ » أيضا ولا يسألون عما كنتم تعملون ( 136 ) « وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا » - الآية - قولهم : « تَهْتَدُوا » أي تصيبوا طريق الحق ، المعنى أي يتبين لكم الحق ، إذا كنتم على اليهودية تقول اليهود ، وتقول النصارى كونوا نصارى ، وهما دينان مختلفان لأنه دين عن أهوائهم لا دين أنبيائهم ، فقال اللّه تعالى لنبيه : « قُلْ » لهم « بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » أي نتبع نحن وأنتم كلمة بيننا وبينكم سواء ( أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) فهذه هي ملة إبراهيم ، وقد أخبرنا اللّه تعالى وهو في كتابكم أن إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا ، ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ، وأنتم معشر اليهود تقولون : عزير ابن اللّه وأنتم معشر النصارى تقولون : المسيح ابن اللّه ، والمسيح هو اللّه ، فأشركتكم ، فكيف نتبعكم وأنتم ما اتبعتم ما أنزل إليكم ؟ والقرآن مما أنزل إليكم فإني رسول إليكم جميعا ( 137 ) « قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ » لما قالت اليهود لنا : ( كُونُوا هُوداً ) وقالت النصارى : ( كونوا نصارى ) قيل لنا : « قُولُوا » لهم « آمَنَّا بِاللَّهِ » أي بوحدانيته وبوجوده « وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا » وهو القرآن « وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ » من الصحف والوحي « وَما أُوتِيَ مُوسى » وهو التوراة « وَعِيسى » وهو الإنجيل « وَما أُوتِيَ » أعطي « النَّبِيُّونَ » الألف واللام لاستغراق الجنس . « مِنْ رَبِّهِمْ » من عند ربهم من الكتب والشرائع « لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ » كما فرقتم ، فآمنتم ببعضهم