ابن عربي
202
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 129 ] رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 ) الحكمة ليست مطلوبة إلا من أجل ما تدل عليه ، واعلم أن الحكيم من العباد الذي ينزل كل شيء منزلته ، ولا يتعدى به مرتبته ، ويعطي كل ذي حق حقه ، لا يحكم في شيء بغرضه ولا بهواه ، ولا تؤثر فيه الأعراض الطارئة ، فينظر الحكيم إلى هذه الدار التي قد أسكنه اللّه فيها إلى أجل ، وينظر إلى ما شرع اللّه له من التصرف فيها من غير زيادة ولا نقصان ، فيجري على الأسلوب الذي قد أبين له ، ولا يضع من يده الميزان الذي قد وضع له ، في هذا الموطن ، فإنه إن وضعه جهل المقادير فإما يخسر في وزنه أو يطفف ، وقد ذم اللّه الحالتين ، وجعل تعالى للتطفيف حالة خاصة يحمد فيها التطفيف ، فيطفف هناك على علم فإنه رجحان الميزان ويكون مشكورا عند اللّه في تطفيفه ، فإذا علم هذا ولم يبرح الميزان من يديه لم يخط شيئا من حكمة اللّه في خلقه ويكون بذلك إمام وقته ، ومن الحكمة عدم إظهار الحق لعباده ، وتعريف الخلق به ، في الموطن الذي يؤدي ذكره إلى أذى اللّه ورسوله ، ومن الحكمة أن لا يعرض الحكيم بذكر اللّه ، ولا بذكر رسوله ، ولا أحد ممن له قدر في الدين عند اللّه ، في الأماكن التي يعرفها هذا الحكيم إذا ذكر اللّه فيها أو رسوله أو أحدا ممن اعتنى اللّه به ، كالصحابة عند الشيعة ، فإن ذلك داع إلى ثلب المذكور ، وشتمه ، وإدخال الأذى في حقه ، ففي مثل هذا الموطن لا يذكره .
--> الرجوع إليه في كل حال ، وهذا التفسير على معنى ( فتاب عليهم ليتوبوا ) وأما على ظاهر اللفظ فليس فيه توبة منهم ، فمعناه إذا تاب اللّه عليهم لم تقع منهم فيما بعد مخالفة ، فإن توبة العبد قد يرجع عنها ، ومن تاب اللّه عليه فلا يرجع ، ووجه آخر وهو قولهما : « وَتُبْ عَلَيْنا » أي ارجع علينا في كل حال بالرحمة والعطف واللطف والتوفيق والرشد والاستعمال في محابك ومرضاتك « إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » ، ثم قال : ( 130 ) « رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ » فالسؤال في أن يكون الرسول منهم « يَتْلُوا عَلَيْهِمْ » ذلك الرسول « آياتِكَ » ما أنزلت عليه من الصحف والكتب « وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ » أي ما في الكتاب مما خاطبتهم به ، أو يأمرهم بتعليم الكتاب حتى