ابن عربي
195
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 125 ] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) « وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى » وهما الركعتان بعد الطواف لننال ما ناله إبراهيم عليه السلام من الخلة على قدر ما يعطيه حالنا ، فإن من مقامه عليه السلام قوله تعالى فيه : « وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى » ومن مقامه عليه السلام أنه كان أواها حليما ، فيكون هذا أيضا من قصدنا مقام إبراهيم لنتخذه مصلى ، أي موضع دعاء في صلاة ، أو إثر صلاة لنيل هذا المقام والصفة ، التي هي نعت إبراهيم خليل اللّه وحاله ومقامه ، ومن مقام إبراهيم عليه السلام
--> التبليغ ، وشروط الإمامة كثيرة ، فهي من الابتلاء الشديد ويحتمل أن يكون ذلك على جهة التشريف والتكريم ، لما قام بالكلمات حق القيام على التمام والكمال كان أهلا للإمامة ، فشرفه اللّه بأن قدّمه على خلقه ليأتموا به ويهتدوا بهديه ، إذ قد آنس منه الرشد فيما ابتلي به ، فدفع الإمامة إليه ، كما أمرنا في الأيتام في دفع أموالهم لهم واستحقاقهم لها بإيناس الرشد منهم ، فقال : ( وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ) وهو أحد الشرطين ( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) « قالَ » إبراهيم « وَمِنْ ذُرِّيَّتِي » « قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » طلب إبراهيم من ربه أن يجعل من ذريته أئمة ، وهذا الطلب دليل على أنّ جعله إماما كان تشريفا وكرامة به لا ابتلاء ، فترجح أحد الوجهين ، ولو فهم بقرائن الأحوال أن الإمامة كانت على طريق الابتلاء ما طلب مثلها لذريته ، وإن كانت ابتلاء من حيث ما يتعلق بها ، ولكن إذا عرف الإمام بتعريف اللّه أنه معان معصوم كانت إمامته تشريفا بلا شك ، ويبقى ما فيها من الابتلاء في حق من وليها من المؤمنين الذين جهلوا أحوالهم فيها ، وأما قوله : « لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » يقول لا أعطي الإمامة للظالم بوحي منزل فيه أسميه بعينه ، مثل ما سميت الرسل بأسمائهم وخصصتهم من سائر الخلق بالخطاب بالعهد والإمامة ، مثل قولنا : ( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ) ولإبراهيم ( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) وهكذا جميع الرسل ، فهذا هو العهد الذي لا يناله الظالم من عبادي ، وأما من نصبه الناس إماما فأئمتهم رجلان : ظالم وعادل ، فالعادل هو الذي يقوم فيهم بسنة نبيهم وهديه ، ويسلك بهم أوامر الحق المشروع لهم من عندنا ، وهم أئمة الهدى الذين يأمرون بالقسط من الناس ، فنحن أيضا شرعنا لهم بالوحي المنزل على الرسل تولية مثل هؤلاء الإمامة ، فهم ممن ينال عهدي ، وطائفة