ابن عربي

193

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 122 إلى 124 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 122 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 123 ) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 ) « وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ » لأن الابتلاء من أفضل الكرامات ، وقد تلقاها للتوب صاحب السمات ، والابتلاء إشارة إلى ذبح ولده قال اللّه تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام : « إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً » ابتداء منه من غير طلب من إبراهيم عليه السلام ليكون معانا مسددا ، وعلمنا أنه ليس بظالم قطعا لأن الإمامة عهد من اللّه وقال تعالى : « إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً » ولم يقل خليفة بل ذكره بالإمامة لأن الخليفة يطلب بحكم هذا الاسم عليه من استخلفه فيعلم أنه مقهور محكوم عليه ، فالخليفة له فيه تذكرة لأنه مفطور على النسيان والسهو والغفلة ، فيذكره اسم الخليفة بمن استخلفه ، والإمام ربما اشتغل بإمامته عمن جعله إماما ، لأن الإمامة ليست لها قوة التذكير في الخلافة فقال تعالى في الجماعة الكمل : « جَعَلَكُمْ *

--> به » أي يصدقون بكل ما يتضمنه ، وبه أنه من عند اللّه ، ويحتمل أن يريد به أهل التوراة الذين تلوها حق تلاوتها وأهل الإنجيل وآمنوا بما وجدوا فيها من بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلم ورسالته ، وأنه هو هذا ، فيكون خاصا بالمؤمنين من اليهود والنصارى ، ثم قال : « وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ » * كما فصلناه في معنى الكفر والكافر « فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ » * تقدم الكلام على هذا المعنى في ( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ) في أول السورة ( 123 ) « يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ » قد تقدم الكلام عليها وكذلك ( 124 ) « وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ » فذكر في الأولى ( وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ ) وزاد في هذا « وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ » أي فداء ، فإن القبول لا يكون إلا مع الرضاء به ، والأخذ قد يكون عن رضاء وقد لا يكون ، فزاد في هذه الآية ولو أخذنا الفداء لم نأخذه على جهة القبول والرضاء وإنما هو بضاعتنا ردت إلينا ، فأبان هنا بالقبول أمرا لم يذكره هناك ، وقال في هذه الآية « وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ »