ابن عربي

191

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

نفسه بفعله والمناجى بإحاطته وذاته ، وأهل التدبر والتذكر لما أودع في كتابه العزيز من الأسرار والعلوم ، يفهم كل عبد على قدر مقامه وذوقه وكشفه ، قال تعالى : ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب وقال تعالى : قد علم كل أناس مشربهم ، بل أقول : إن كل من قعد على منهج الاستقامة ، وكانت حيلته الطاعة ، وكان اللسان صامتا عن تلاوة القرآن ، فإنه حامد للّه شاكر له بأفعاله ، ويقول اللّه فيه حمدني عبدي . فإذا كان اللسان يقول الحمد للّه ، والقلب في الدكان ، أو في الدار ، أو في عرض من الأعراض ، متى عرف من هذه صفته أن يحمد اللّه ؟ ! وكيف ذلك والقلب غافل بما هو عليه عما جرى به لسانه ، فإذا وفقك اللّه وتريد أن يسمع الحق جل اسمه منك تلاوتك ، ويرسمك في ديوان التالين ، ويقول لك على الكلمات حمدني ، فاعلم منازل التلاوة ، ومواطنها ، وكم من التالين منك ، وذلك أن تعلم أن على اللسان تلاوة ، وعلى الجسم بجميع أعضائه تلاوة ، وعلى النفس تلاوة ، وعلى القلب تلاوة ، وعلى الروح تلاوة ، وعلى السر تلاوة ، وعلى سرّ السرّ تلاوة ، فتلاوة اللسان ترتيل الكتاب على الحد الذي رتب المكلف له ، وتلاوة الجسم المعاملات على تفاصيلها في الأعضاء التي على سطحه ، وتلاوة النفس التخلق بالأسماء والصفات ، وتلاوة القلب الإخلاص والفكر والتدبر ، وتلاوة الروح التوحيد ، وتلاوة السر الاتحاد من قوله صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث القدسي صفة لا ذاتا كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ،

--> أحد من رسله ، ولهذا قال تعالى : « قُلْ » لهم يا محمد « إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى » ولم يقل قل هداي ، أي الذي جئت به خاصة ، فإن التوراة والإنجيل هدى اللّه مثل القرآن ، فلو أطاعوا وسمعوا ما جاءت به كتبهم ما تفرقوا جملة واحدة ، وكانوا يؤمنون بكل كتاب وبما تضمنه ، فكنا نحن وهم على السواء ، فإن في التوراة الإيمان بالإنجيل والقرآن وبمن جاء بهما وما جاء فيهما ، وفي الإنجيل الإيمان بالتوراة وبمن جاء بهما وما جاء فيهما ، وفي القرآن الإيمان بالتوراة والإنجيل وبمن جاء بهما وما جاء فيهما ، فآمنا نحن بالجميع ، والكل هدى اللّه ، وكفروا هم بالكتابين وببعض ما جاء في كتابهم واتبعوا أهواءهم ، فلو دعونا إلى اتباع كتبهم لوجدونا متبعين لذلك مؤمنين غير مخالفين لشيء من ذلك ، فلهذا قال اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم محذرا : « وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ » وهو قوله : ( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ) وما سامحه سبحانه في طمعه باستدراجهم بذلك ليؤمنوا بقوله