ابن عربي
187
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
قلب عبد وظهر فيه حكمه ، واستوى عليه بجميع ما هو عليه مطلقا ، وكان خلقا لهذا القلب ، كان القلب عرشا له ، سئلت عائشة عن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقالت : كان خلقه القرآن ، فما من آية في القرآن إلا ولها حكم في قلب هذا العبد ، لأن القرآن لهذا نزل ليحكم لا ليحكم عليه . كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في تلاوته القرآن إذا مر بآية نعيم حكمت عليه بأن يسأل اللّه من فضله ، فكان يسأل اللّه من فضله ، وإذا مر بآية عذاب ووعيد حكمت عليه بالاستعاذة ، فكان يستعيذ ، وإذا مر بآية تعظيم للّه حكمت عليه بأن يعظم اللّه ويسبحه بالنوع الذي أعطته تلك الآية من الثناء على اللّه ، وإذا مر بآية قصص وما مضى من الحكم الإلهي في القرون قبله ، حكمت عليه بالاعتبار فكان يعتبر . وإذا مر بآية حكم حكمت عليه أن يقيم في نفسه من يوجه عليه ذلك الحكم فيحكم عليه به ، فكان يفعل ذلك ، وهو عين التدبر لآيات القرآن والفهم فيه ، ومتى لم يكن التالي حاله في تلاوته كما ذكرنا فما نزل على قلبه القرآن ، ولا كان عرشا لاستوائه لأنه ما استوى عليه بهذه الأحكام ، وكان نزول هذا القرآن أحرفا ممثلة من خياله كانت حصلت له من ألفاظ معلمه إن كان أخذه عن تلقين ، أو من حروف كتابته إن كان أخذه عن كتابة ، فإذا أحضر تلك الحروف في خياله ونظر إليها بعين خياله ترجم اللسان عنها فتلاها من غير تدبر ولا استبصار ، بل لبقاء تلك الحروف في حضرة خياله ، وله أجر الترجمة لا أجر القرآن ، ولم ينزل على قلبه منه شيء ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلم في حق قوم من حفاظ حروف القرآن يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، أي ينزل من الخيال الذي في مقدم الدماغ إلى اللسان فيترجم به ولا يجاوز حنجرته إلى القلب الذي في صدره ، فلم يصل إلى قلبه منه شيء ، وقال فيهم : إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم
--> كما قال : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) وأما العرب فالقرآن آيتهم فلا يقولون هذا ، وعلماء الكتب لا يقولون هذا فإن الآيات الدالة على صدقه في كتابهم ، فلم يبق إلا المقلدة ومن لا علم له بإعجاز القرآن ، وقوله : « تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ » أي عقولهم في الختم عليها فلا يعلمون « قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » وهم العارفون بذلك وإن لم يؤمنوا وباهلوا ، والعلماء بذلك أيضا من من المؤمنين كما قال : ( بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ ) والجاحد عالم ، قال تعالى : ( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) وقوله : « يُوقِنُونَ » أي يتيقنون ، وهو ثبوت العلم في صدورهم ، ثم خاطب نبيه عليه السلام ( 120 )