ابن عربي
181
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
سبحانه ، وهو أن يكون في قلبك كبرياء لغيره ، فأهل الجنة ليس لهم مانع من نعيم الرؤية ، وشهود نور التوحيد إلا رداء الكبرياء ، فمن كبر في قلبه غير اللّه تعالى من غرف أو تحف أو حور أو مأكول أو مشروب أو شيء سواه حجب عن اللّه تعالى . ومن عرف اللّه صغر عنده كل شيء فارتفع عن بصره رداء الكبرياء لكل شيء فشهد اللّه في كل شيء ، وبهذا يظهر لك سر افتتاح الصلاة بالتكبير ، لأن الصلاة حضرة التجلي والمناجاة والمراقبة لأنوار سبحات وجهه سبحانه ، وأما حجبه فقد ثبت في الصحيح « حجابه النور » وفي رواية « حجابه النار » وليس بين الروايتين تناف ، ولك في تأويله سبيلان : أحدهما أن وجهه سبحانه هو الباقي ذو الجلال والإكرام ، فله تجل بجلاله في حجاب النار ، كما تجلى سبحانه لموسى صلّى اللّه عليه وسلم حين آنس من جانب الطور نارا ، وله تجل بإكرامه في حجاب النور ، كما تجلى تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء في قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « رأيت نورا » وهذان الحجابان لأهل الخصوص ، والتأويل الثاني ، وهو لأرباب العموم ، يؤخذ مما قررناه أنه لا فاعل في الكون غيره ، ولا هادي ولا مضل سواه ، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، فوجه توحيده هو الذي ينعم ويهدي بإقباله ، ويعذب ويضل بإعراضه ، وله في هدايته النور وهويته المتجلية للقلوب بواسطة شرائع رسله قال تعالى : « قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ » وحجابه في إضلاله النار وهو الاكتساب المغشي للقلوب من وساوس الشيطان المخلوق من النار « كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ » قد بيّن بذلك أن وجه توحيده ، هو الهادي بإقباله ، في حجاب نور الاتباع للرسل « فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى » وأنه هو المضل بإعراضه في حجاب الاتباع لوسواس الشيطان ، فإنه لا تنافي بين قوله حجابه النور وبين قوله حجابه النار ، وبذلك يفهم سر قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا إلى قوله واجعلني نورا » أي اجعلني من جميع الوجوه نورا دالا ، وحجابا يتنعم برؤيتي من أراد التنعم بحسن النظر إليك ، وقد جاء في
--> النسب إليه ، عليم بكم أينما توليتم أن قصدكم التوجه إليه سبحانه على طريق القربة ، وفي قوله : « الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ » وأين ما تولوا ، تنبيه أن كل من سجد إلى جهة معينة ليس مقصده الجهة