ابن عربي

173

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 110 ] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 110 ) تضاف الصلاة إلى البشر بمعنى الرحمة والدعاء والأفعال المعلومة شرعا ، فجمع البشر هذه المراتب الثلاث المسماة صلاة .

--> بِالْإِيمانِ » وهو قوله : ( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ) * وقد شرحناه قبل « فَقَدْ ضَلَّ » يقول : فقد حاد عن « سَواءَ السَّبِيلِ » أي عدل والتفت عن الطريق المستقيم الموصل إلى السعادة ، وهو قوله فيما ندعوه به ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ( 110 ) « وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً » يقول : يتمنى اليهود أن تصغوا إليهم فيما يلقونه إليكم من الكفر في معرض النصيحة « ليردوكم » أي ليرجعوكم « مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ » بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم « كُفَّاراً » به مثلهم « حَسَداً » أي يفعلوا ذلك حسدا لعلمهم بأنكم على الحق وأنكم تسعدون بذلك ، وقوله : « مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ » يقول : إن الذي جاءوا به لم يكن من كتابهم ، فما قالوه إلا من عندهم ، لأنه قال : « مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ » الذي أنتم عليه ، وقوله : « فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا » دليل على تقدم ذنب ظهر للمؤمنين منهم ، إذ التمني من عمل القلب فيكون الذنب الذي أمر المؤمنون بأن لا يؤاخذوهم عليه ، هو ما روي أنهم اجتمعوا بطائفة من الصحابة بعد وقعة أحد وقالوا لهم : [ لو كنتم على الحق ما نصر عليكم عدوكم من المشركين ، فارجعوا إلى ما نحن عليه واتركوا ما جاءكم بهم محمد ] صلّى اللّه عليه وسلم فأبت الصحابة ، وقالوا : [ رضينا باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ] وأرادوا مجازاتهم ، فأنزل اللّه « فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ » يحتمل وجهين : الواحد ، يوم القيامة قال تعالى : ( أَتى أَمْرُ اللَّهِ ) والوجه الآخر ، ما أمروا به بعد ذلك من قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير « إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » أي أنه القدير على مجازاتهم على ذلك ، ولكن أمهلهم إلى وقت يحكم اللّه فيهم لئلا تشترك الصحابة في مجازاتهم من غير أمر اللّه ، بل من عند أنفسهم ، كما فعلوا هم بما قالوه من عند أنفسهم لا من كتابهم ، فنزه اللّه أولياءه المؤمنين عن أن يشاركوهم في هذا القدر ، وليقتدوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم في قوله : ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ) * ثم أتبع ذلك بقوله لهم : ( 111 ) « وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ » يقول لهم : واشتغلوا بما كلفتموه من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وقد تقدم شرحهما ، ثم أخبرهم فقال : « وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ » أي ما تقدمونه بين أيديكم لآخرتكم من أجل نفوسكم أن يعود عليها من خير مما شرعناه