ابن عربي

162

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 92 ] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 92 )

--> من قوله « عَلى مَنْ يَشاءُ » أن اليهود حسدت العرب حيث كان محمد الذي يجدونه مكتوبا عندهم من العرب ولم يكن من بني إسرائيل ، فأداهم ذلك إلى الكفر بالقرآن ، ثم قال « وَلِلْكافِرِينَ » الجنس أيضا « عَذابٌ مُهِينٌ » في مقابلة إهانتهم للقرآن ومن جاء به ، من قوله ( لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ) وغير ذلك ، فهو خصوص عذاب لصفة مخصوصة في كل من ظهرت منه وعوقب بها ، ثم قال ( 92 ) « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » الضمير يعود على اليهود ، وما هنا فيما أنزل اللّه يريد القرآن والإنجيل « قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ » يؤيد ذلك قوله « وَهُوَ الْحَقُّ » الضمير يعود على المنزل ، « مُصَدِّقاً » أي جاء مصدقا لما معهم ، يريد التوراة التي أنزلت عليهم ، فقالت اليهود : نؤمن بما أنزل علينا ، يعني التوراة ، ونكفر بما وراءه ، تقول : وراء كتابنا ، أي بما جاء بعده من الكتب ، فقال اللّه لمحمد « قُلْ » لهم « فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ » وكتابكم لا يتضمن قتل من قتلتموه من الأنبياء ، فقولكم « نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا » ليس بصحيح ، ولهذا قال لهم « إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » في إيمانكم بما أنزل عليكم ، فقرينة الحال تدل على أنهم قتلوا الأنبياء تكذيبا لهم مع إتيانهم بالبينات والقربان ، لأنهم لو لم يقتلوهم تكذيبا ما كان قول محمد صلّى اللّه عليه وسلم لهم « فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ » حجة عليهم ، لأن المؤمن لا يلزم أن يكون معصوما من وقوع الذنب منه ، والقتل فعل ظاهر ، وقد يكون من المصدّق والمكذب ، وقد يكون قوله « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » أي مصدقين في أن اللّه عهد إليكم في كتابكم ( ألا تؤمنوا لرسول حتى يأتيكم بقربان تأكله النار ) فقد جاءوا ، فلم قتلتموهم ؟ ( 93 ) « وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ » حين مشى إلى ميقات ربه « وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ » أنفسكم في ذلك ، وظالمون بعضكم لبعض حيث لم تتناهوا عن منكر فعلتموه ، ثم قال ( 94 ) « وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ، خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ، قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ، قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » لما ذكر أخذ الميثاق ورفع الطور ظلة عليهم لما امتنعوا من أخذ الكتاب ، ذكر في القصة الأولى بعض الأسباب وهو ترجي التقوى ، فقال ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )