ابن عربي
158
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الدنيا آجالا ننتهي إليها ، ثم ننتقل إلى موطن آخر يسمى آخرة ، فيها ما في هذه الدار الدنيا ، ولكن متميز بالدار كما هو هنا متميز بالحال ، ولم يجعل لإقامتنا في تلك الدار الآخرة أجلا تنتهي إليه مدة إقامتنا ، وجعل تلك الدار محلا للتكوين دائما أبدا إلى غير نهاية ، وبدل الصفة على الدار الدنيا فصارت بهذا التبديل آخرة والعين باقية « فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ » لما قال تعالى في حق أهل الشقاء : « إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ » ما قال إن الحال التي هم فيها لا تنقطع كما قال في السعداء والذي منع من ذلك قوله : « وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ » وقوله : « إن رحمتي سبقت غضبي » في هذه النشأة فإن الوجود رحمة في حق كل موجود ، وإن تعذب بعضهم ببعض ، فتخليدهم في حال النعيم غير منقطع ، وتخليدهم في حال الانتقام موقوف على الإرادة ، فقد يعود الانتقام منهم عذابا عليهم لا غير ويزول الانتقام ، ولهذا فسره في مواضع بالألم المؤلم وقال : « عَذابٌ أَلِيمٌ » و « الْعَذابَ الْأَلِيمَ » * وفي مواضع لم يقيد العذاب بالأليم وأطلقه فقال : « فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ » يعني وإن زال الألم وقال : « فِي عَذابِ جَهَنَّمَ » ولم ينعته بأنه أليم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 87 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ( 87 ) « وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ » أي قويناه فإن الخوف مما تطلبه حكم الطبيعة في هذه النشأة ، فإن لها خورا عظيما لكونها ليس بينها وبين الأرواح التي لها القوة والسلطان عليها واسطة
--> الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ » يعني ما عصموا به دماءهم وأموالهم من كلمتي الشهادة ، فكانوا في الدنيا معافين ، والكفار بالجزية ، فاشتروا عافية الدنيا وتركوا عافية الآخرة ، وقد تقدم معنى ذلك في تفسير ( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ) في أول السورة ، قال « فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ » إذ لم يعملوا ما يوجب لهم التخفيف عنهم من ذلك « وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ » ولا لهم ناصر ينصرهم ، ثم قال ( 88 ) « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ » يعني التوراة « وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ » يقول بعد موت موسى