ابن عربي

134

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 56 إلى 57 ] ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) يعني يظلمون أنفسهم بما كانوا عليه في سابق العلم .

--> فرعون ) الذين تولوا عذابهم ( أَشَدِّ الْعَذابِ ) * في مقابلة سوء ، وقرئ بكسر الخاء ، فقد يمكن أن يقال لبني إسرائيل يوم القيامة ذلك ليولوهم أشد العذاب بأنفسهم ، كما فعلوا هم بهم في الدنيا حين ساموهم سوء العذاب ، وآل الرجل أهله وخوله وأنصاره وأتباعه ، سمعت شيخنا الإمام أوحد زمانه في معرفة كلام العرب ، أبا ذر مصعب بن محمد بن مسعود الخطيب يقول : الآل لا يضاف إلا للأكابر الزعماء ، وأما من دونهم فيقال أهل فلان ، وقوله « يَسُومُونَكُمْ سُوءَ » يقول يولونكم ما يسوؤكم من « الْعَذابِ » فمن ذلكم قتل أولادهم ذبحا ، وجعل إبقاء النساء عذابا لهم ، مع أن إبقاءهم ينبغي أن يكون من فرعون نعمة عليهم ، وذلك أن الرجل في الغالب يسرع إليه ذهاب الحزن منه بخلاف النساء ، فأبقى النساء حتى يتجدد على الآباء العذاب بما يجدونه من الحزن لحزن نسائهم وبكائهم على أولادهم دائما ، وشغلهم بذلك عن مصالح أزواجهم ، فيتجدد العذاب عليهم ، هذا يسوغ في إبقاء الأمهات ، وأما إبقاء الإناث فيزيد بذلك من قتل ولده حسرة إلى حسرته ، وحزنا إلى حزنه ، قال تعالى « يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ » قال تعالى « وَفِي ذلِكُمْ » خطاب لنا « بَلاءٌ » أي ابتلاء « مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ » ، نشكر أو نكفر ، كما قال سليمان عليه السلام ( لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ) فكل عذاب في الدنيا يكون بلاء إذ كانت دار اختبار ( إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ) وأما في الدار الآخرة فلا يقال له بلاء وإنما هو عذاب خالص . ولهذا ما أظن واللّه أعلم أن اللّه ذكر عذاب الآخرة بلفظ البلاء ، على أني ما بحثت على ذلك ، لما لم تكن دار تكليف ، وكان سبب قتل الأبناء أنه رأى ورئي له أن مولودا من بني إسرائيل يولد في دولته يكون هلاكه وهلاك أتباعه على يديه ، ثم من نعمة اللّه على بني إسرائيل قوله ( 51 ) « وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ » الآية ، وهذا يؤيد ما ذكرناه أنه سبحانه يحكي ما خاطبهم به في زمانهم من تقرير النعم عليهم ، فمن ذلك « وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ » أي بسببكم « الْبَحْرَ » لتنجوا من عدوكم ، فزال البحر بعضه عن بعض وافترق ، فظهرت الأرض وسكن البحر عن جريته « فَأَنْجَيْناكُمْ » بما أهلكنا به