ابن عربي

130

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ » فإذا تلا الإنسان القرآن ولا يرعوي إلى شيء منه ، فإنه من شرار الناس بشهادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن الرجل يقرأ القرآن والقرآن يلعنه ، ويلعن نفسه فيه ، يقرأ « أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ » وهو يظلم فيلعن نفسه ، ويقرأ « لعنة اللّه على الكاذبين » وهو يكذب فيلعنه القرآن ، ويلعن نفسه في تلاوته ، ويمر بالآية فيها ذم الصفة وهو موصوف بها فلا ينتهي عنها ، ويمر بالآية فيها حمد الصفة فلا يعمل بها ولا يتصف بها ، فيكون القرآن حجة عليه لا له ، قال صلّى اللّه عليه وسلم في الثابت عنه : « القرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو فبائع نفسه ، فمعتقها أو موبقها » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 45 ] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) فأمر من هذه صفته بأن يستعين بالصبر يعني بالصبر على الصلاة ، فقدّم حبس النفس عليها ، ثم ذكر الصلاة فقال : « وَالصَّلاةِ » فإن المصلي يناجي ربه ، فإذا ما حصل العبد في محل المناجاة مع ربه استلزمه الحياء من اللّه فلا يتمكن له أن يأمر أحدا ببر وينسى نفسه منه ، بل يبتدئ بنفسه . ثم ذكر خشوع الصلاة فقال : « وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ » يعني الصلاة ثقيلة شاقة « إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ » وخشوع كل خاشع على قدر علمه بربه ، وقد جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الخشوع للقلب ولا سيما في الصلاة فقال : لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ، والخشوع لا يكون إلا للّه فمن لم يخشع في صلاته فما صلى .

--> يقول : ليس لكم عقل تفهمون به عن اللّه ما أنزله في كتابه إليكم ، والنسيان الترك عن غفلة ، فكأنه يقول : وتغفلون عن أنفسكم ، وإذا لم يكن عن غفلة فهو التناسي ( 46 ) « وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ » الآية ، لما كان من قول العبد فيما شرع له ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) بيّن الحق له ما يقع له به المعونة على عدوه إبليس ، فقال لعباده « وَاسْتَعِينُوا » على عدوكم « بِالصَّبْرِ » يقول : بحبس نفوسكم على طاعتي وامتثال ما أمرتكم به ونهيتكم عنه مطلقا ، فإن ذلك مما يقمع عدوكم « وَالصَّلاةِ » فإنه ما ثم عبادة ذكر فيها أنه فيها مناج ربه غير الصلاة ، فلهذا خصها بالذكر دون جميع الأعمال ، ليثابر العبد عليها ، فيكون ممن قال اللّه ( الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ) وفي موضع آخر ( عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ) فإن الشيطان لا يتمكن له التمكن من قلب العبد في حال مناجاته ، لأن أنوار هيبة الحضرة تحرقه ، ولقد نشاهد هذا فيمن يحادث منا ملكا عظيما ذا جلال وكبرياء ،