الراغب الأصفهاني
880
تفسير الراغب الأصفهاني
لما جعلهم أحياء عند ربهم سمّوا شهداء ، وأصل ذلك أن غاية ما يستحقه الإنسان في الآخرة القرب من اللّه ، وكونه عنده ، ولما وعد اللّه القتيل في سبيله بذلك سمي شهيدا ، ونبّه تعالى بالآية أنه غير إنصاف لمن ساوى العدو في المغالبة الدنيوية أن يحزن ، فكيف بمن كان غالبا ، وبين بقوله : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها « 1 » أن من حق العاقل أن لا يبالي بما يفوته مالا كان أو جاها أو قهرا ، فإن اللّه جعل بنية الدنيا على أن تكون أعراضها دولا بين أخيارهم وأشرارهم ، وليصبر الأخيار فيما يصيبهم من المحن ، ويشكروا ما ينيلهم من المنح ، فيصلوا بذلك إلى ثوابه « 2 » ، وعلى ذلك وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ « 3 » إن قيل : هل يصح أن تكون الدولة « 4 » للكافرين على المؤمنين ؟ قيل : يجوز ذلك إذا كانت الدولة من الحظوظ الدنيوية ، التي قد يعطى الكافر منها أكثر مما يعطى المؤمنون « 5 » ، قال قتادة : ولولا الدولة ما أو ذي المؤمنون ،
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 140 . ( 2 ) انظر : تفسير القرآن للسمعاني ( 1 / 361 ) ، والمحرر الوجيز ( 3 / 243 ) ، وتفسير غرائب القرآن ( 2 / 265 ) ، والبحر المحيط ( 3 / 68 ) ، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ( 1 / 386 ) . ( 3 ) سورة محمد ، الآية : 31 . ( 4 ) قال القرطبي : والدولة : الكرّة . الجامع لأحكام القرآن ( 4 / 218 ) . ( 5 ) قال الزجاج : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ أي نجعل الدولة في -