محمود بن حمزة الكرماني
63
البرهان في متشابه القرآن
حكمة اختصاص كل آية بما جاء فيها مختلفا عن الآية المتشابهة لها . ويرتبط الكثير من توجيهاته بعلوم اللغة فيوضح الاستعمالات اللغوية للكلمة ، ويعتمد على التحليل اللغوي ، وهو تحليل يدل على رسوخه في هذا الصدد . وأحيانا يعلل توجيهاته بالقواعد النحوية ويحتكم في ذلك إلى أئمة النحو وخاصة سيبويه في مؤلفه المشهور في هذا العلم ، واسمه ( الكتاب ) . ويعالج أثناء ذلك فنون الكلام من تقديم أو تأخير أو حذف ، وكثيرا ما علل توجيهاته بالإيجاز في مواضع والإطناب في أخرى . والإظهار أو الإضمار أو التّصريح أو التلميح تارة أخرى . وهو يستشهد بأقوال أئمة التفسير كلما استدعى الأمر ذكر أقوالهم . وقد سبقت الإشارة إلى طائفة من المصادر التي يكثر رجوعه إليها في مصنفاته في التفسير « 1 » . وللكرمانى مقدرة فائقة على استحضار آيات القرآن الكريم ووجوه قراءاتها ، بل استحضار اللفظة القرآنية في جميع الآيات التي ذكرت فيها وكأنه يطالع معجما مفهرسا لألفاظ القرآن الكريم وآياته وقراءاته . ولا غرو فقد كان هو نفسه معجما حيا يوجه هذه الطاقة إلى المواطن التي تتطلبها فتساعفه في كل ما يطلبه ، فجاء ذلك مفسّرا لوصف ياقوت له من أنه « كان عجيبا في دقّة الفهم وحسن الاستنباط » وتداول الحفاظ والمؤرخون هذه العبارة ، إقرارا منهم بانطباقها تمام الانطباق على صاحبها . ولقد يستقصى اللفظ من الآية في جميع القرآن فيذكر الآيات التي جاء فيها هذا اللفظ أو يتتبع لفظتين من آية فيقول أحيانا : « ليس في القرآن غيره » ولا يستدرك عليه أحد شيئا ، وهذه موهبة قلّ من حازها . وكأن الكرماني قد أوتى حاسة سادسة تجعله يقف على أسرار المتشابه اللفظي ، ويعرف مواطن الحكمة في تخصيص كل آية بما يناسبها بحيث لا يصلح استبدال حرف أو لفظ أو زيادة ذلك أو حذفه في آية بما في الآية المناظرة لها . والكرماني يلتزم في مصنفاته عز وكل قول إلى صاحبه ، وهذا الالتزام إن تباعد في كتاب ( البرهان ) فذلك لأنه كتاب ابتكار وأصالة ، أما في باقي مصنفاته في علوم القرآن مثل تفسير ( اللباب ) وكتاب ( غرائب التفسير ) فهو يبدأ بعرض أقوال من سبقوه ثم يعلق عليها مؤيدا أو مستدركا أو معارضا أو مناقشا . هذا وإن قلّت تعليقاته في المصنف الثاني فلأنه قصد منه سرد الغرائب والعجائب التي عثر عليها في تفاسير من سبقوه . وأهم مصنف نال تقديره في كتابه ( البرهان ) هو كتاب ( درة التنزيل ) للخطيب الإسكافى ، ويتبين هذا الإعجاب واضحا في تخصيصه بالنقل عنه أكثر من غيره ، وكما قلنا : إن ( درة
--> ( 1 ) راجع المقدمة .