محمود بن حمزة الكرماني

46

البرهان في متشابه القرآن

ومن فرق بين آيات الكتاب العظيم في الإيمان بها كان كمن فرق بين الله تعالى ورسله وآمن ببعض وكفر ببعض إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا . أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً . وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً الآيات : 150 - 152 سورة النساء . وقد أكدت الآيات الأولى من سورة آل عمران هذا المعنى رحمة بالعباد وتحذيرا لهم من اتباع الأهواء في تأويل آيات الفرقان . ولبيان ذلك نقول : إن الله الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه ، المحيط بجميع أوصاف الكمال ، المنزه عن كل وصف يورث نقصا ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وحده لا شريك له تفرد في وحدانيته أن يكون له ندّ أو مثل في أسمائه وصفاته الْحَيُّ الْقَيُّومُ على كل شئ فذرات الموجودات ، وخلايا الأحياء متماسكة في صورها التي خلقها عليها بإذنه وقدرته ، محفوظة بقيوميته جل جلاله . هو الله الخالق البارئ المصور بديع السماوات والأرض لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ « 1 » مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ الآية : 3 سورة سبأ . صوّر الموجودات : كما صوركم في الأرحام كيف يشاء وكان ذلك عليه يسيرا . ومن كان هذا وصفه كان هو العزيز الغالب غلبة لا يجد فيها المغلوب فرصة لمدافعة ، ولا انفلات أو هرب . لا معجز له في إنفاذ شئ من أحكام في ملكه هو ( الحكيم ) لشمول علمه وكمال حكمته وتمام الحكم ، واستواء الحكمة ، حسب سعة العلم . ذلكم الله جل جلاله هُوَ وحده الَّذِي أَنْزَلَ الكتاب كله - عدل عن الفعل ( نزّل ) لما فيه من معنى النزول منجما ، والمقام هنا متصل بالكتاب كله - عَلَيْكَ خاصة - وعلى حرف يختص بالفوقية فإذا اقترن بالفعل أنزل ونزّل كان خاصا بالأنبياء لا شركة لأحد معهم - قصر الخطاب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لعظيم ما سيلقى بعده من البيان مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ . فكل الآيات محكمها ومتشابهها صادرة عن أصل واحد لا يمكن فصل آية منه عن آية أو الإيمان بآية وترك أخرى ، وهي في ترابطها وتكاملها ورد معاني بعضها إلى بعض شيء واحد وهنا ننبه إلى :

--> ( 1 ) تنبه إلى الإعجاز العلمي للقرآن الكريم ، إذ كان المعتقد أن أصغر شئ هو الجزىء ثم اكتشف العلماء الذرة وقالوا إنها لا تنقسم . وتبيّن لهم في العصر الحديث أنها تنقسم .